فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 581

فَعَلَى وَجَازَتِهَا فقد اشتملت على فضائلَ عظيمةٍ؛ فقد تضمَّنت البِشَارَةَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعطائه الخَيْرَ الكثير في الدُّنيا والآَخِرَةِ، ثمَّأَرْشَدَهُ كيف يشكر هذه النِّعْمَةَ مُقَابِلَإعطائه الكَوْثَرَ، ثمَّ بَيَّنَ عَاقِبَةَ مُبْغِضِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ مَقْطُوعُ الخَيْرِ، مَقْطُوعُ العَمَلِ، مَقْطُوعُ الذِّكْرِ.

قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} : الكَوْثَرُ: هو الخيرُ الكثيرُ، فَأَعْطَاهُ اللهُ الخَيْرَ كُلَّهُ كَامِلًا.

وقيل: «هُوَ نَهْرٌ في الجنَّة» ، وقيل: «هُوَ الحَوْضُ» .

قال الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللهُ - مُعَلِّقًا على قَوْلِ سَعِيدٍ: «وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّه الخَيْرُ الكَثِيرُ لا يُخَالِفُ قَوْلَ غَيْرِهِأنَّ المُرَادَ بِهِ نَهْرٌ في الجَنَّةِ؛ لأنَّ النَّهْرَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الخير الكثير» .

وعليه فالكوثرُ هو الخيرُ الكثيرُ، وَمِنْ ضِمْنِهِ نَهْرُ الكَوْثَرِ في الجنَّة، ويخرج منه الحوضُ في العَرَصَاتِ.

وَعَلَيْهِ فَلَهُحَوْضَانِ:

1 -وَاحِدٌ يكون قبلَ دخول الجنَّة في ساحات الحساب، وعَرَصات الموقف.

2 -والآَخَرُ يَكُونُ في داخل الجنَّة، وكلٌّ منهما يُقَالُ له حَوْضٌ، وَيُقَالُ له كَوْثَرٌ.

وهذا النَّهْرُ العظيمُ جَاءَتْ لَهُ صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ، منها: رَوَى مُسْلِمٌ عن أَنَسٍ- رضي الله عنه - قال: «بينما نحن عند النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ غَفَا إِغْفَاءَةً ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فقلنا: ما أضحكك يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ» .

فَقَرَأَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ ... إِلَى آَخِرِهَا، ثمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟ قلنا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَطِينَتُهُ» رواه مسلم و غيره.

كَمَا في حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ» . رَوَاهُأَحْمَدُوالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» .

أمَّا عن طُيُورِهِ فَفِي حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عنه - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «هُوَ نَهَرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ فِيهِ طُيُورٌ أعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «آكِلُوهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» . رَوَاهُأَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَرَوَاهُ أَنَسٌ بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ تَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ» .

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ. فَقَالَ: «أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» . قَالَهَا ثَلَاثًا، «وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا يَا أَبَا بَكْرٍ» . رَوَاهُأَحْمَدُ.

أمَّا مَوْقِعُهُ فَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بن عَبْدِ الله قال: قلتُ لعائشة رضي الله عنها: مَا الكَوْثَرُ؟ قالت: نَهْرٌ أُعْطِيَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في بُطْنَانِ الجنَّة.

قال: قُلْتُ وَمَا بُطْنَانُ الجَنَّةِ؟ قالت: وَسَطُهَا حَافَّتَاهُ دُرَّةٌ مُجَوَّفٌ."رواه أحمد."

وحوض نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - هوحَوْضٌ عَظِيمٌ.

ومكانُه: يُوضَعُ في أرض المحشر، يَوْمَ القيامة تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وهذا الحَوْضُ يَأْتِيهِ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرِ الكَوْثَرِ الَّذي في الجنَّة؛ فإنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ من قبورهم عِطَاشًا، فَيَرِدُونَ هذا الحَوْضَ العَظِيمَ، يغتُّ فيه ميزابان، أَحَدُهُمَا ذَهَبٌ، والآَخَرُ فِضَّةٌ مِنْ نَهْرِ الكوثر من الجنَّة.

وَوَرَدَ أَنَّ طُولَهُ شَهْرٌ، وَعَرْضَهُ شَهْرٌ، والآَنِيَةُ الَّتي يُشْرَبُ فيها عَدَدُ نجوم السَّماء، وكلَّما شُرِبَ مِنْهُ اتَّسَعَ، وَيُسَرُّ نَبِيُّنَا بكثرة الوَارِدِينَ عليه، وَيَسْقِيهِمْ بِيَدِهِ، وهو أَشَدُّ بَيَاضًا من اللَّبَنِ، وَأَحْلَى من العَسَلِ، وَأَبْرَدُ من الثَّلج، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ المِسْكِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا حتَّى يدخلَ الجنَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت