وَذَكَّرَهُبتربيتهله؛ {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} فَهَلْ هَذَا جَزَاءُ التَّرْبِيَةِ والكرامة الَّتى لَقِيتَهَا عندنا وأَنْتَ وليدٌ؟ تأتي- الآنَ - لتخالف ديانتنا، وتخرج على الملك الَّذي تَرَبَّيْتَ في قصره، وتدعو إلى إِلَهٍ غَيْرِهِ؟
وذكَّره بِقَتْلِهِ للقبطيِّ وَهُرُوبِهِ؛ {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ؛ أي: الجَاحِدِينَ للنِّعْمَةِ.
فردَّ عليه موسى: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} أي: الجاهلين، وقبل النُّبُوَّةِ؛ فلم يكن عندي عِلْمٌ وَلا حِكْمَةٌ ولا نُبُوَّةٌ.
{فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} استعبدتَهم.
فَعِنْدَ ذلك قَالَ فِرْعَونُ: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟}
وفي سورة طه: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى؟}
فَرَدَّ عليه موسى رَدًّا قويًّا. قال: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} .
فالتفتفرعونُلِمَنْحَوْلَهُ وقال هَازِئًا: {ألَاتَسْتَمِعُون} .
أَرَادَ فرعونُ الهروبَ من الجواب و الحيدة منه.
قالموسىمتجاوزًاسُخْرِيَةَ الفرعون: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} .
قالفرعونُ مخاطبا من حَوْلَهُ: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} .
عادموسىيتجاوزاتِّهام الفرعون وسخريته ويُكْمِلُ: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} .
وفي سورة طَهَ: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} . قَال: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
أي: هو الَّذي خَلَقَ الخَلْقَ وَقَدَّرَ لهم أعمالًا وَأَرْزَاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللَّوح المحفوظ، ثمَّ هدى كلَّ مخلوقٍ إلى ما قدَّره له، فطابق عمله فيهم الوجه الَّذي قدَّره وعلمه؛ لكمال عِلْمِهِ.
فلمَّا أَخْبَرَ موسى فرعونَ بأنَّ رَبَّهُ الَّذي أرسله، وهو الَّذي خَلَقَ وَرَزَقَ وقدَّر فهدى، قال فرعون لموسى: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} .
فإذا كان ربُّك هو الخالقُ المُقَدِّرُ الهادي الخلائقَ لما قدَّره، وهو بهذه المثابة من أنَّه لا يستحقُّ العبادةَ سِوَاهُ، فَلِمَ عَبَدَ الأَوَّلُونَ غَيْرَهُ وأشركوا به؟ يَحْتَجُّ بالقرون الأولى؛ أي: الَّذين لم يعبدوا الله.
أي: فَمَا بَالُهُمْ إذا كان الأَمْرُ كما تقول؟ لم يعبدوا ربَّك، بل عبدوا غيرَه.
فقال: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} فقد كانت تعبد الأَوْثَانَ، وتُنْكِرُ البَعْثَ، وَلَمْ تقرَّ بما تقول، ولم تصدِّق بما تدعو إليه.
فَرَدَّ عَلَيْهِ موسى: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} أي: أعمالُهم محفوظةٌ عند الله يُجَازِي بها؛ فَجَمِيعُ أَفْعَالِ العباد مَكْتُوبَةٌ عنده في كتابٍ؛ لا يَضِلُّ عنه شَيْءٌ، ولا ينسى ربِّي شيئًا.
ثمَّ ذَكَرَ له عَظَمَةَ الرَّبِّ وَقُدْرَتَهُ على خَلْقِ الأشياء، وَجَعْلَهُ الأَرْضَ مِهَادًا، والسَّمَاءَ سَقْفًا محفوظًا، وتسخيرَه السَّحَابَ، والأَمْطَارَ لِرِزْقِ العباد وَدَوَابِّهِمْ وأنعامهم، كما قال: {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى} أي: لِذَوِي العقول الصَّحِيحَةِ المستقيمة، والفِطَرِ القويمة.
ولكنَّ فِرْعَوْنَ مع كثرة جَهْلِهِ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِ في تكذيبه بآياتِ الله واستكباره عن اتِّباعهأَنْهَىالحِوَارمعهبالتَّهْدِيدِ الصَّريح.
{قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} .
قال: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ} قال: {فَأْتِ بِهِ} .
{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} .