فلمَّا اكتملت الأربعون وصامها وَذَهَبَ إلى مِيقَاتِ رَبِّهِ وكلَّمه اللهُ وَأَوْحَى إليه بالتَّوراة وألقى عليه الألواح وفي نُسْخَتِها هدًى ونورٌ ورحمةٌ مَوْعِظَةٌ وتفصيلٌ لكلِّ شَيْءٍ وَوَجَدَ موسى - عليه السلام - من لذَّة ومتعة الكلام مع الله، اشتاقت نفسُه إلى رؤية ربِّه.
{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} .
فقال اللهُ: {لَنْ تَرَانِي} ، عن أنس - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في قوله عزَّ وجلَّ: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} ، وعن ابن عبَّاس قال: «ما تَجَلَّى منه إِلاَّ قَدْرُ الخُنْصُرِ، فَأَبَانَ طَرْفَ الخُنْصُرِ، فَصَارَ الجَبَلُ دكًّا» .
قال هكذا بأصبعه، ووضع النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الإبهامَ على المِفْصَلِ الأعلى من الخُنْصُرِ، فساخ الجَبَلُ. لفظ ابن جريرٍ.
وفيه اندكاكُ الجبل مع قلَّة ما حصل من التَّجلِّي.
قال ابنُ القَيِّمِ: «إنَّ اللهَ - سبحانه - أَرَادَ أَنْ يُرِيَ موسى من كَمَالِ عَظَمَتِهِ وجلاله ما يعلم به أنَّ القوَّةَ البشريَّةَ في هذه الدَّار لا تثبت لرؤيته ومشاهدته عيانًا؛ لصيرورة الجبل دكًّا عند تجلِّي ربِّه -سبحانه - أَدْنَى تَجَلٍّ» .
واعلموا أنَّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتَّى يموتَ. أمَّا في الجنَّة فَمِنْ مَكَارِمِ أَهْلِ الجنَّة رُؤْيَةُ اللهِ لأهل التَّقوى.
ولمَّا جاءهم موسى - عليه السلام - بالألواح وفيها التَّوراة أَمَرَهُمْ بِقَبُولِهَا والأخذ بها بقوَّةٍ وَعَزْمٍ، فلم يستجيبوا ولم يلتزموا بالتَّوراة وصاروا يخالفونها.
وقالوا: انشرها علينا، فإن كانت أوامرُها ونواهيها سهلةً قبلناها. فقال: بل اقبلوها بما فيها، فراجعوه مرارًا.
فأمر اللهُ الملائكةَ فَرَفَعُوا جبلَ الطُّورِ فَوْقَهُمْ وعلى رءوسهم حتَّى صار كأنَّه ظُلَّةٌ وقيل لهم: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا بما فيها سقط هذا الجبلُ عليكم. فقبلوا ذلك، وأخذ عليهم الميثاقَ.
وأُمِرُوا بالسُّجود فسجدوا فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشقِّ وجوههم، فصارت سُنَّةً لليهود إلى اليوم، يقولون: لا سَجْدَةَ أعظمُ من سجدةٍ رَفَعَتْ عنَّا العذاب.
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} . أي: ثمَّ بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم، والأمر الجسيم، نَكَثْتُمْ عُهُودَكُمْ ومواثيقَكم.
ومع هذا لم يلتزموا بها ومعهم نبيُّهم موسى - عليه السلام -، ورأوا المعجزات الدَّالَّةَ على صدقه؛ فقد توارثوا سوءَ الأخلاق، والتَّلذُّذَ بقتل الأنبياء والأبرياء، ويفعلون ذلك وكأنَّهم لم يعملوا شيئًا.
بل إنهم في يومٍ وَاحِدٍ قَتَلُوا عددًا من الأنبياء، وبعد العصر جلبوا القِثَّاءَ أو الكُرَّاثَيبيعونه، وكأنَّهم لم يفعلوا شيئًا. فاليهودُ قديمُهم وحديثُهم عقليَّتُهم واحدةٌ.
فلمَّا غاب موسى - عليه السلام - عَمِدَ رَجُلٌ منهم اسمُه السَّامِرِيُّ، فأخذ ما كانوا استعارُوه من الحُلِيِّ، فَصَاغَ مِنْهُ عِجْلًا مَصْنُوعًا من الذَّهب، وَأَلْقَى فيه قَبْضَةً من التُّرَابِ، كان أَخَذَهَا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ - عليه السلام -، حِينَ رَأَىَهُ يَوْمَ أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ على يديه.
فلمَّا ألقاها فيه خَارَ كما يَخُورُ العِجْلُ الحَقِيقِيُّ. فقالوا: هذا إلهُكم وإلهُ موسى فنسي. أي: فنسي موسى ربَّه عندنا، وذهب يتطلَّبه وهو هاهنا! تعالى اللهُ عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
قال الله -تعالى - مبيِّنًا بطلانَ ما ذهبوا إليه: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} . وقال: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} .