فَذَكَرَ أَنَّ هذا الحيوانَ لا يتكلَّم ولا يَرُدُّ جوابًا، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا، ولا يهدي إلى رُشْدٍ، اتَّخذوه وهم ظالمون لأنفسهم.
ولمَّا أَنْ رَجَعَ موسى - عليه السَّلامُ - إلى قَوْمِهِ بعدما كلَّمه ربُّه وأوحى إليه، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل، ومعه الألواحُ مِنْ جَوْهَرِ نَفِيسِ الجنَّة المتضمنَّة التَّوْرَاةَ، ألقاها، فيقال: إنَّه كَسَرَهَا. وَغَضِبَ عليهم ولامَهُم وبيَّنَ لهم الحقَّ.
ثمَّ حَرَقَ العجلَ، ورماه في البحر، وعاقب السَّامِرِيَّ، فكان يتألَّم مِنْ مَسِّ أيِّ شَيْءٍ.
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي} حزينًا. وقال لقومه: بِئْسَمَا خلفتموني مِنْ بَعْدِي، تركتم عبادةَ الله وَعَبَدْتُمْ غَيْرَ الله.
{أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} أي: مَجِيئيإليكم. لماذا استعجلتم ولم تنتظروا؟
وألقى الألواحَ غَضَبًا لله، فَتَكَسَّرَتْ.
وعاتب أخاه وأقبل على أخيه هارون وَشَدَّهُ شَدَّةً قَوِيَّةًفقال: {يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} وخاطبه بالأمِّ من باب الاستعطاف.
{قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} فاعتزلهم ومن معه من الصُّلحاء وعددهم سبعون رجلًا {لِمِيقَاتِنَا} وَأَخَذَ موسى العِجْلَ وَحَطَّمَهُ.
{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} أي: ندموا على ما صنعوا {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
فَبَعْدَ أن بيَّن لهم موسى خَطَأَهُمْ. ولكن جعل الله توبتهم أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بعضًا؛ لأنَّهم ظلموا أنفسهم باتِّخاذهم العِجْلَ.
فقيل: إنَّها جاءتهم ظُلَّةٌ فَصَارَ لا يَدْرِي أَحَدُهُمْ مَنِ الَّذي أَمَامَهُ، فَقَتَلَ مَنْ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ مَنْ عَبَدَ العِجْلَ، فلمَّا انجلت الظُّلَّةُ قُتِلَ منهم سبعون ألفًا.
وهذا نَوْعُ عِقَابٍ وَتَوْبَةٍ؛ فَجَعَلَ اللهُ تَوْبَةَ من عَبَدَ العِجْلَ أن يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
ثمَّ نَدِمَ بنو إسرائيل على عبادة العجل، فاختار منهم موسى - عليه السلام - سَبْعِينَ رجلًا من خيارهم، وهم ممَّن لم يعبد العجلَ، وذهب بهم موسى إلى المكان الَّذي حدَّده اللهُ، وهو جبل الطُّور؛ مِنْأَجْلِ التَّوبة والاستغفار، لما بَدَرَ منهم من عبادة العجل، والنَّدم على ما فعلوا.
وهناك كلَّم اللهُ موسى - عليه السلام -، فطلبوا أن يسمعوا كلامَ الله، فَسَمِعُوا كلامَ الله لموسى، فقالوا: لن نؤمن حتى نرى الله جهرةً. أي: لن نتوبَ ولن نستغفرَ حتَّى نرى الله.
فعاقبهم اللهُ بِصَاعِقَةٍ قَتَلَتْهُمْ وهم ينظرون، بسبب هذا التَّعَنُّتِ والعنادِ؛ لأنَّهم تجاوزوا الحَدَّ، ولم يَكْفِهِمْ سَمَاعُ كَلامِ الله، فلمَّا ماتوا، تَوَسَّلَ موسى إلى اللهِ، وَبَكَى؛ فقدأصبح موقفُه مُحْرِجًا.
وقال: يا ربِّ كيف أرجع إلى بني اسرائيل وقد مات خيارُهم وأنا جئتُ بهم من أَجْلِ التَّوبة؟ فلو أخبرتُهم بما حصل لن يصدِّقوني.
وَخَشِيَ عليهم أن يرتدُّوا؛ {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} فَسَأَلَ اللهَ ألاَّ يَكُونَ هَلاكُ الأَخْيَارِ بِسَبَبِ هؤلاء السُّفَهَاءِ، الَّذين يتجرأون بالقول والفعل، فبعثهم اللهُ؛ لأنَّ مَوْتَهُمْ عُقُوبَةٌ، وليس انتهاءً للأجل والعُمْرِ.
ودخل بنو إسرائيل البَريَّةَ صحراءَ سِينَاءَ، فشكوا إلى موسى - عليه السلام - حَرَّ الشَّمْسِ؛ حَيْثُ لا شَجَرَ فِيهَا يُظَلِّلُ، فَامْتَنَّ اللهُ بِأَنْأَظَلَّهُمْ بالغَمَامِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ.
وَشَكَوا إِلَيْهِ قِلَّةَ الطَّعَامِ؛ فالأرضُ صَحْرَاوِيَّةٌ لا نَبَاتَ فيها، فأكرمهم اللهُ بالمَنِّ والسَّلوى. نعم، لا تحتاج إلى كدٍّ ولا قيمةٍ ولا كلفةٍ.