أمَّا المَنُّ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الحَلْوَى، وهو في غَايَةِ البَيَاضِ والحَلاوَةِ، حتَّى قيل: إنَّ العَسَلَ وَاحِدٌ على سبعين من حَلاوَةِ المَنِّ، وهو يتساقط على الأشجار باللَّيل مِنْآَخِرِ اللَّيْلِ إلى طلوع الشَّمْسِ، واذا أضافوهإلى ماءٍ صَارَ شَرَابًا، وإذا أضافوه إلى الخُبْزِ طَعَامٌ حُلْوٌ، وَإِنْأَكَلُوهَا فَهِيَ من ألذِّأنواع الأطعمة.
فإذا كان من آخر النَّهار غشيهم طَيْرُ السَّلْوَى، وهو طائرُ السِّمَّان، أَفْخَرُأَنْوَاعِ لُحُومِ الطَّيْرِ، فيقتنصون منها بلا كُلْفَةٍ ولا جهدٍ ولا تعبٍ.
{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فقد امْتَنَّ اللهُ عليهم فَأَنْزَلَ عليهم في حال شدَّتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض الَّتي ليس فيها زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ.
وكيف أنعم اللهُ عليهم وَحَلَّ مشكلاتِهم، فأعطاهم اللهُ لحمًا وحلوى، طعامين شَهِيَّيْنِ، بلا كلفةٍ، ولا سعيٍ لهم فيه، بل يُنْزِلُ اللهُ المنَّ باكرًا، ويرسل عليهم طَيْرَ السَّلْوَى عشيًّا، وأنبع الماءَ لهم.
ثم يضرب موسى - عليه السَّلامُ - حجرًا كانوا يحملونه معهم بالعصا، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، لكلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ منه تَنْبَجِسُ، ثمَّ تتفجر ماءً زلالًا، فيستقون فيشربون، ويسقون دوابَّهم، ويدَّخرون كفايتَهم، وظلَّل عليهم الغمامَ مِنَ الحَرِّ.
ولكن لم يكونوا من الشَّاكرين، بل كانوا من الجاحدين. فكان عَدَمُ اعترافهم بالنِّعَمِ، وعدمُ شُكْرِهَا ظُلْمًا لأنفسهم؛ فَقَدْأَنْعَمَ عليهم نِعَمًا عظيمةً دينيَّةً ودُنْيَوِيَّةً، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحقِّ عبادتها.
ثمَّ ضَجِرَ كَثِيرٌ منهم منها، وتبرَّموا بها، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها، ممَّا تنبت الأرضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا.
فأمرهم نبيُّهم أن يدخلوا بَيْتَ المقدس فاتحين ومجاهدين، فقالوا مِنْ سُوءِأَدَبِهِمْ وأخلاقهم: اذْهَبْأَنْتَ وَرَبُّكَ.
طَبْعُهُمْ لا حَيَاءَ فيه، ولا أَدَبَ، ولا رَحْمَةَ، ولا مُرُوءَةَ، ولا التزامَ بعهدٍ ولا وَعْدٍ.
وإنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي يخيفهم هو القوَّة، ولذا نلاحظ دائمًا سرعةَ تقلُّب بَنِيإسرائيل؛ فَبَعْدَ أن أَنْجَاهُمُ اللهُ مِنْ فِرْعَوْنَ، وتجاوَزُوا البَحْرَ، وَأَحَسُّوا بالأمان، خلالَأَرْبَعِينَ يومًا عَبَدُوا العِجْلَ وَأَشْرَكُوا بالله.
وَمِنْ ثَمَّ قال لهم نبيُّهم حينما كفروا بنعمة الله: ادخلوا هذه القرية - القُدْسَ - وكلُوا منها حيث شِئْتُمْ. فقالوا: اذهب أنت وربُّك. وكأنَّه ليس ربَّهم ولا علاقةَ لهم به، وهو الَّذي أَنْعَمَ عليهم، وَأَخْرَجَ لهم من الحَجَرِ مَاءً، وكلُّ قَبِيلَةٍ لها عَيْنٌ، والسَّحَابُ ظِلٌّ لهم.
السَّمَاءُ تُمْطِرُ عليهم حَلْوَى، وساق لهم الطُّيورَ يمسكونها بلا كُلْفَةٍ ويأكلونها.
ولمَّا قيل لهم: «قاتلوا في سبيل الله» قالوا: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فقاتلا.
وذكَّرهم نبيُّ اللهِ نِعْمَةَ الله عليهم، وإحسانَه إليهم بالنِّعَمِ الدِّينيَّة والدُّنْيَوِيَّة، وأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} أي: تَنْكِصُوا على أعقابكم، وتنكلوا عن قتال أعدائكم {فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} أي: فتخسروا بعد الرِّبح، وتنقصوا بعد الكمال.
خافوا من هؤلاء الجبَّارين، وقد عاينوا هلاكَ فرعون، وهو أشدُّ تَجَبُّرًا من هؤلاء، وأشدُّ بَأْسًا، وأكثرُ جَمْعًا، وَأَعْظَمُ جُنْدًا.
وهذا يدلُّ على أنَّهم مَلُومُونَ في هذه المقالة، ومذمومون على هذه الحالة مِنَ الذِّلَّةِ عن مصاولة الأعداء، ومقاومة المَرَدَةِ الأشقياء.
{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} أي: يخافون اللهَ. وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: «يُخَافون» أي: يُهَابُونَ. {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} أي: بالإسلام والإيمان والطَّاعة والشَّجاعة.