فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 581

فالشُّحُّ عَقَبَةٌ شَدِيدَةٌ تَقِفُ في وَجْهِكَ؛ لا تريد منك إخراجَ زَكَاةٍ، ولا تُرِيدُ مِنْكَ نَفَقَةً على أَهْلِكَ وَوَلَدِكَ، ولا تريد منك أن تَتَصَدَّقَ على النَّاس، أَوْ تُنْفِقَ في سَبِيلِ الله؛ فهي تَأْمُرُ بِالبُخْلِ وإمساكِ المَالِ.

والإيمانُ يُخَلِّصُ صَاحِبَهُ من الشُّحِّ، والشُّحُّ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، ويأتي الإِنْسَانَ في أشياء كَثِيرَةٍ، ومنه الشُّحُّ بالمال، وبالنَّفْسِ عن طَاعَةِ الله، وبالوقت.

فالشُّحُّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ على ترك الطَّاعة والوقوع في المعاصي.

فمن أسباب هلاك الأُمَمِ الشُّحُّ؛ ففي الحديث: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلمٌ.

وفي رواية «الصَّحِيحَيْنِ» : «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ أَمَرَهُمْ بِالبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا» .وزَادَأَحْمَدُ: «وَأَمَرَهُمْ بِالقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا» .

فالشُّحُّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ على تَرْكِ الطَّاعَاتِ، والوُقُوعِ في المعاصي.

قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أَيْ: مَنْ وَقَاهُ الله شُحَّ نفسه فقد أفلح، ونجح، وربح؛ فمن تخلَّص من الشُّحِّ فقد أفلح وحقَّق الإيمان، ومن تَغَلَّبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ وَضَعُفَإيمَانُهُ.

قوله: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ} .

سمَّى اللهُ الصَّدَقَةَ قَرْضًا: تَأْكِيدًا لِحُصُولِ الثَّواب.

أَوْضَحَتِ الآَيَةُ أنَّ المتصدِّق، والمنفق، والباذل حين يتصدَّق لا يتعامل مع النَّاس، إنَّما يُقْرِضُ اللهَ، ويتعامل معه مباشرةً؛ فأيُّ حَافِزٍ للصَّدَقَةِ أَعْظَمُ مِنْ هذا؟

إنَّه إنَّما يُقْرِضُ الغنيَّ الحميدَ، وإنَّه يتعامل مع مَالِكِ الجُودِ، وإنَّ ما أَنْفَقَهُ مُخْلَفٌ عَلَيْهِ، مُضَاعَفٌ، وَلَهُأَجْرٌ كَرِيمٌ.

قال ابْنُ القَيِّمِ: «والمتصدِّق والباذلُ والمنفقُ إذا عَلِمَ أنَّ مَالَهُ سيعود سَهُلَ عَلَيْهِ الإخراجُ، وإذا عَلِمَأنَّه يُقْرِضُ مَلِيئًا وَوَفِيًّا وغنيًّا، كان أَبْلَغَ في طِيبِ نَفْسِهِ، وإذا عَلِمَ أنَّ المستقرضَ يتجر له فيه وينمِّيه، كان بَذْلُهُ للقَرْضِأَسْمَحَ وأَسْمَحَ.

وإذا عَلِمَأنَّه يَزِيدُهُأَجْرًاآَخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ القرض، لم يَتَخَلَّفْ عَنْ قَرْضِهِإلاَّ لِآَفَةٍ في نَفْسِهِ كَشُحٍّ أَوْ بُخْلٍ أَوْ عَدَمِ الثِّقة بالضَّمان.

وهذه حَقِيقَةٌ يَعْرِفُهَا المُنْفِقُونَ؛ فَسَمَّى اللهُ المُنْفِقَ بِمَنْزِلَةِ من يُقْرِضُ رَبَّهُ، وكلُّ مَنْ جَادَ سَادَ.

قوله: {قَرْضًا حَسَنًا} .

الحَسَنُ: هوما اجتمع فيها الحلال، والإخلاصُ، وعدم المنَّة والأذى.

قوله: {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} أي: يُضَاعِفُ الله له بلا عدَّةٍ ولا حسابٍ من رحمته ـ سبحانه ـ ورزقه الَّذي لا حُدُودَ له ولا مَدَى.

وحديث أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رَجُلًا جَاءَ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فقال: «هذه في سبيل الله» .

فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُ مِئَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» . رواه مسلم وابن حبان.

واستطعم مِسْكِينٌ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ، فقالت لإنسانٍ: «خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا» ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إليها ويعجب، فقالت عائشة: «أَتَعْجَبُ؟ كم ترى في هذه الحبَّة مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ» .

في «المُوَطَّأِ» قَالَ يحيى بنِ مُعَاذٍ: «ما أعرف حَبَّةً تَزِنُ جِبَالَ الدُّنيا إلاَّ مِنَ الصَّدَقَةِ» .

الصَّدقةُ مِنْ أَفْضَلِ الأعمال وأحبِّها إلى الله - عزَّ وجلَّ - بل إنَّ الصَّدَقَةَ لتباهي غَيْرَهَا من الأعمال وَتَفْخَرُ عَلَيْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت