فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 581

-والثَّانِيَة: النَّفقةُ على نفسك، وعلى من تلزمك نَفَقَتُهُ مِنْ وَلَدٍ، وَزَوْجَةٍ، وَوَالِدٍ، ومن أنت مسئولٌ عنه من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ.

ففي الحديث عند أحمد والبيهقيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ، كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» .

اسْتَمِعْ إلى الأُجُورِ العظيمة الكثيرة الَّتي يحصل عليها من يُنْفِقُ على أهله وولده.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

فهذه أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ؛ وَاحِدٌ في الجهاد، والآَخَرُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، والثَّالِثُ في مِسْكِينٍ، والرَّابِعُ عَلَى الأَهْلِ، فَبَيَّنَ أَنَّأَعْظَمَهَا عَلَى الأَهْلِ؛ سَوَاءٌأَطْعَمْتَهُ، أَوْ كَسَوْتَهُ، أَوْ سَقَيْتَهُ.

وعند مُسْلِمٍ والأربعة مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ على عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ» .

قال أبو قُلابَةَ: «وَبَدَأَ بالعيال، وأيُّ رَجُلٍ أَعْظَمَ أَجْرًا من رجلٍ ينفق على أولاده الصِّغار ويُعِفُّهُمُ اللهُ به؟»

والنَّفَقَةُ على الزَّوْجَةِ والأولاد يُثَابُ المَرْءُ عَلَيْهَا، وهي أعظمُ ثوابًا من ثواب الصَّدقة، والعتق، والجهاد؛ فكلُّ ما يدخل جَوْفَ زَوْجَتِكَ أو وَلَدِكَ مِنْ طَعَامٍ أو شَرَابٍ، فهو في ميزان حسناتك.

ثَبَتَ في «مُسْنَدِأَحْمَد» و «الصَّحيحين» عَنْ سَعْدِابْنأَبِي وَقَّاصٍ لمَّا حَجَّ واشتكى، فجاء إلى النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، ولا يَرِثُنِي إلاَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، أفأوصي بثُلُثِ مالي؟

فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَإِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَأَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .

ثمَّ قال: «لَعَلَّكَ تُخَلِّفُ وَلَعَلَّهُ أَنْ تَطُولَ بِكَ مُدَّةٌ فَيَنْتَفِعَ بِكَأَقْوَامٌ، وَيُضَرُّ بِكَأَقْوَامٌآَخَرُونَ» كما حصل في القادسيَّة كَسْرِ الفُرْسِ؛ «ثمَّ قال: يَا سَعْدُ، إنَّك لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ الله إلاَّأُجِرْتَ عليها، حتَّى ما تجعل في فيِّ امْرَأَتِكَ» .

وفي الحديث: «إِنَّ المُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» . رواه مسلم وابن حبان

فكلُّ ما صَنَعْتَ لأَهْلِكَ فهو صَدَقَةٌ عليهم.

وَثَبَتَ في «التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ» وهو في «المَجْمَعِ» أنَّ عُثْمَانَ أو عَبْدَ الرَّحمن بنَ عَوْفٍ مَرَّ على ثَوْبِ امْرَأَةٍ، فَسَاوَمَهُ، فاستغلاه، فتركه، فجاء عمرُو بْنِأُمَيَّةَ الضَّمَرِيِّ، فاشتراه، فقال له عثمان أو عبدالرَّحمن: ماذا ستفعل به؟

قال: «سَأُعْطِيهِ زَوْجَتِي فُلَانَةَ» ، فقالوا: هذا مرطٌ غالٍ، فقال: «صَدَقَةٌأتصدَّق بها عليها، سمعتُ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كُلُّ مَا صَنَعَهُ الإِنْسَانُ إلى أَهْلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ» .

-والثَّالثُة: إذا وَقَعَتِ الأمَّةُ في وَرْطَةٍ واحْتَاجَتْ للمال، وَجَبَ دَفْعُ جُزْءٍ مِنْأَمْوَالِهِمْ.

قوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} .

الشُّحُّ: صِفَةٌ في العَبْدِ، وهو ضِدُّ السَّمَاحَةِ والنَّفْعِ للغَيْرِ بالبدن والمال.

وفي الحديث: «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ» . أخرجه احمد وابو داوود وابن حبان.

والهَلَعُ ضِدُّ الصَّبْرِ؛ فَإِنْ جاع أَظْهَرَ الجُوعَ، وَأَسْرَعَ به، وَإِنْأَصَابَهُ الأَلَمُأَظْهَرَ الشِّكَايَةَ، وأَسْرَعَ، وإن أَصَابَهُ القَهْرُ، أَظْهَرَ الاستكانة.

فَلَيْسَ لَدَيْهِ احْتِمَالٌ وَلَا أَفْضَالٌ، وهذا كلُّه مِنْ صِغَرِ النَّفْسِ وَدَنَاءَتِهَا، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت