كان رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَخْطُبُ، فجاء الحسنُ والحُسَيْنُ - رضي الله عنهما - عليهما قميصان أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فنزل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا، فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثمَّ قال: «صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» . رَوَاهُأَحْمَدُ.
قوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
لِمَنْ قَدَّمَ طَاعَةَ الله بِفِعْلِ المأمور وَتَرْكِ المحذور.
قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .
التَّقْوَى: هي وَصِيَّةٌ عظيمةٌ جامعةٌ لحقوق الله وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِخَلْقِهِ، فإذا أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْأَهْوَالِ يَوْمِ القيامة فعليك بالتَّقْوَى.
خَاطَبَ اللهُ بها النَّاسَ جَمِيعًا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} . دَلَّهُمْ عَلَى سَبَبِ النَّجاة، وَخَاطَبَ بها أَهْلَ الإيمان؛ {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} .
وخاطب بها نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ {اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} .
والتَّقْوَى في حقِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَيِ الثَّبَاتَ والاستمرارَ عليها.
وتكون التَّقْوَى بِفِعْلِ الأَوَامِرِ، وَتَرْكِ النَّوَاهِي، وأَصْلُ التَّقْوَى أن تَعْلَمَ ما يُتَّقَى ثمَّتَتَّقِي؛ فكيف تكون تقيًّا إذا لم تَعْلَمْ ما تَتَّقِي؟
فإذا جَهِلَ العَبْدُ حكم أَكْلَ الرِّبا، وإذا جَهِلَحكم نَظَرَ الحَرَامِ، وإذا جَهِلَ العَبْدُحكم حَمْلَ السَّيف، هلك، فرأسُ الأمر وجماعُ الخير تَقْوَى الله.
كَتَبَ عمرُ بْنِ عَبْدِ العزيز إلى رجلٍ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ - عزَّ وجلَّ - الَّتي لا يُقْبَلُ غيرُها، ولا يُرْحَمُ إلاَّ أَهْلُهَا، ولا يُثَابُ إلاَّ عليها؛ فإنَّ الوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، والعاملين بها قَلِيلٌ، جَعَلَنَا اللهُ وإيَّاك من المتَّقين» .
وَمَنِ اتَّقى اللهَ في السِّرِّ فهي عَلامَةٌ على كمال إيمانه، ولها تَأْثِيرٌ عظيمٌ في إلقاء الله لصاحبها الثَّنَاءَ في قلوب النَّاس.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} لأنَّ الإنسانَ ضَعِيفٌ، ومهما حرص على التَّقوى لابُدَّ أن يَحْصُلَ عنده نَقْصٌ أو مَرَضٌ أو عَجْزٌ.
وهذا مِنَ اللهِرَحْمَةٌ. قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» متفق عليه. لأنَّ تَرْكَ الشَّيْءِأَسْهَلُ مِنْ فِعْلِهِ.
قوله: {وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} .
السَّمَاعُ المرادُ به: سَمَاعُ الاستجابة، وأَنْ أَطِيعُوا لما يأتيكم من الشَّرْعِ.
قوله: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} .
لأنَّ المَالَ تَنْتَفِعُ به إذا قدَّمته بين يديك، فيكونَ لك ذُخْرًا عند الله، وخصوصًا على الأهل والأولاد.
ففي التِّرمذيِّ عن عائشة قالت: ذَبَحْنَا شَاةً على عهد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فوزَّعنا منها، فقال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «يَا عَائِشَةُ! مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: لم يَبْقَ إِلاَّ كَتِفُهَا، فقال: «يَا عَائِشَةُ! بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» . فإذا قدَّمتَه وأنفقتَه فالمالُ لك.
لذلك نَعَتَ اللهُ عِبَادَهُ الطَّيِّبين بِأَمْرَيْنِ: تَعْظِيمِ الله، والشَّفَقَةِ على الخَلْقِ، وقدَّموا جزءًا من مالهم عند ربِّهم جلَّ وعلا.
هناك ثَلاثَةُ وَاجِبَاتٍ تَجِبُ عليك في مالك:
-الأولى: الزَّكاةُ.