فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - من الغد، وقال للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أن تراجع حَفْصَةَ؛ رَحْمَةً لعمر رضي الله عنهما.
قوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} .
الطَّلاقُ: هو حَلُّ عَقْدِ النِّكاح أو بَعْضِهِ، وَشَرَعَهُ اللهُ عند الحاجة، وَأَبَاحَهُ بِطَلِيعَةِ هذه السُّورة؛ لأنَّه فَرَجٌ للزَّوجين إذا لم تستقيم الحياة، وساءت العِشْرَةُ بينهما، ولم يَبْقَ في الإمكان إصلاحٌ، واستحال الوفاق، فكان الطَّلاقُ رحمةً؛ لإزالة الضَّرَرِ عنهما.
لَكِنِ الطَّلاقُ الحَلُّ الأَخِيرُ عند تَعَسُّرِ الأمور؛ فإنَّه يُشْرَعُ على وَجْهٍ تَحْصُلُ به المَصْلَحَةُ، وَتَنْدَفِعُ به المَفْسَدَةُ، والله يبغض الطَّلاق؛ لما فيه من كَسْرِ الزَّوجة، وموافقه عدوِّه إبليس؛ حيث يفرح بمفارقة طاعة الله، وتعريض كلٍّ من الزَّوجين للفجور.
ثَبَتَ عند الإمام أحمد ومسلم أنَّ جابرَ بْنِ عَبْدِ الله - رضي اللهُ عَنْهُمَا- قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً؛ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نَعَمْ أَنْتَ» .
قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} .
أي: في طُهْرٍ لم يقع فيه جماعٌ، ثمَّ يدعها حتَّى تنقضيَ عدَّتُهَا، وجعل العدَّة ثلاثة قروءٍ، فإذا صبر عليها حتَّى تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ليطول زَمَنُ المُهْلَةِ والاختيار وحتَّى تقلع عمَّا يدعوه إلى طلاقها، فَإِنْ زَالَ الشَّرُّ بَيْنَهُمَا، وحصلت الموافقةُ، فَخَيْرٌ وإلاَّ تَرَكَهَا حتَّى تنقضيَ عِدَّتُهَا.
ومن ها هنا أخذ الفقهاءُ أحكامَ الطَّلاق، وقسَّموه إلى طلاقِ سُنَّةٍ وَطَلاقِ بِدْعَةٍ؛ فَطَلاقُ السُّنَّةِ: أن يطلِّقَهَا طاهرًا من غير جماعٍ، أو حاملًا قد استبان حملُها.
والبِدْعِيُّ: هو أن يطلِّقَها في حال الحيض، أو في طُهْرٍ قد جامعها فيه، ولا يدري أَحَمَلَتْ أم لا؟ وطلاقُ ثَلاثٍ بكلمةٍ واحدةٍ؛ فَهُوَ بِدْعِيٌّ في العدد.
أو يطلِّقها وهي حَائِضٌ، أو يطلِّقها في طُهْرٍ جَامَعَهَا فيه؛ فَهُوَ طَلاقٌ بِدْعِيٌّ بِقِسْمَيْهِ.
قال بعضُ العلماء: «مَنْ طَلَّقَ في طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيه، نَفَذَ طلاقُه، وأصاب السُّنَّة، وإن طلَّقها حائضًا نَفَذَ طلاقُه، وَأَخْطَأَ السُّنَّةَ» .
أمَّا سعيدُ بنِ المسَيِّبِ فيقول: «لا يقع الطَّلاقُ في الحيض؛ لأنَّه خِلافُ السُّنَّةِ» .
فَأَمَرَ الله أن تطلَّق المرأة لعدَّتها؛ أي: لاستقبالِ عدَّتها، فَتَطْلُقَ طَلاقًا يَعْقُبُهُ شروعُها في العِدَّةِ، فنبَّه الشَّارعُ على وَقْتِ الطَّلاق الَّذي يُشْرَعُ فيه، وهو أن تكون المرأةُ على طهارةٍ من الحيض لم يَمَسَّهَا فيه زَوْجُهَا، ولا يكونَ جَامَعَهَا زَوْجُهَا في هذا الطُّهْرِ، ولم يَكُنْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا.
والحكمةُ من ذلك: العِلْمُ ببراءة الرَّحِمِ من الحَمْلِ؛ لئلاَّ تَخْتَلِطَ الأَنْسَابُ، فَحَمَى الزَّوْجَ الأوَّلَ، ولاحترامه، ولا تطول المُدَّةُ على المطلَّقة؛ فَتُمْنَعَ من الأزواج.
قوله: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} .
أَمَرَ بِضَبْطِ العِدَّةِ مِنْ حَيْثُ البداية والنِّهاية؛ لأنَّه يتعلَّق به حُقُوقٌ؛ حتَّى لا يَقَعَ فيها عَقْدٌ؛ لأنَّ المُعْتَدَّةَ لا يَجُوزُ العَقْدُ عليها، ولا تَجُوزُ خِطْبَتُهَا صَرَاحةً، وحتَّى لا تَخْتَلِطَ الأَنْسَابُ؛ فَتَعْتَدَّ الزَّوْجَةُ لِوَفَاةِ زوجها.
وكذلك المِيرَاثُ؛ فَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ في آَخِرِ يَوْمٍ من العِدَّةِ ولم تَخْرُجْ منها، فإنَّهما يتوارثان.
قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} .
أَيِ: اتَّقُوا اللهَ في ذلك في ضبط العِدَّةِ، وهو مُوَجَّهٌ للزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ فَكُلٌّ منهما يُحْصِي العِدَّةَ، وَيَعْتَنِي بِهَا.