فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 581

ثمَّ ذَكَرَ - سُبْحَانَهُ -أحكامًا متلازمةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عن بَعْضٍ، مِنْهَا أنَّ الأَزْوَاجَ لا يُخْرِجُوهُنَّ.

والثَّاني: أنَّهنَّ لا يَخْرُجْنَ.

قوله: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} .

مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّقْوَى ألاَّ تَخْرُجَ المُطَلَّقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا مدَّةَ العدَّة، إذا كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا؛ لأنَّها لازالت في عصمة زوجها، ولها السُّكْنَى والنَّفَقَةُ، ولا يجوز لزوجها إخراجُ المُطَلَّقَةِ طَلاقًا رَجْعِيًّا حتَّى تَخْرُجَ مِنَ العِدَّةِ.

أَخْرَجَأَحْمَدُ عن فاطمة بنت قيس، أنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا على عهد النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَبَعَثَهُ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سَرِيَّةٍ.

قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدَّار، فقلتُ: إنَّ لي نَفَقَةً وَسُكْنَى حتَّى يَحِلَّ الأَجَلُ، قال: لا، قالت: فأتيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقلتُ: إنَّ فُلانًا طَلَّقَنِي، وإنَّ أخاه أخرجني، ومنعني السُّكْنَى والنَّفَقَةَ.

فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَا لَكَ وَلِابْنَةِ آَلِ قَيْسٍ؟» ، قال: يا رسول الله، إنَّ أَخِي طلَّقها ثلاثًا جميعًا، قالت: فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «انْظُرِي يَا بِنْتَ آَلِ قَيْسٍ، إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى، اخْرُجِي فَانْزِلِي عَلَى فُلَانَةَ» . ثمَّ قال: «انْزِلِي عَلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ أَعْمَى لَا يَرَاكِ» .

قوله: {وَلَا يَخْرُجْنَ} أي: ولا يَجُوزُ لها أن تَخْرُجَ مِنْ بيت زوجها.

وأَضَافَ البَيْتَإليهنَّ؛ لأنَّ لَهُنَّ حَقَّ السُّكْنَى فيها أثناءَ العدَّة، ولا يجوز لها الخُرُوجُإلاَّ بِإِذْنِهِ، وإذا خَرَجَتْ من بيت زوجها بِغَيْرإِذْنِهِ.

وَبَقَاءُهَا في بيت الزَّوجيَّة مدَّةَ العِدَّةِ حَقٌّ للزَّوْجِ وحقٌّ للزَّوجة؛ لعلَّه أن يُرَاجِعَهَا.

قوله: {وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} .

تَشْمَلُ المَرْأَةَ إذا ارْتَكَبَتْ فَاحِشَةَ الزِّنا وَخَانَتْ زَوْجَهَا؛ فَلِزَوْجِهَا إِخْرَاجُهَا من منزله؛ لأنَّها خانت أمانَتَهُ وَعَهْدَهُ، وهو مِيثَاقُ الله الَّذي أَخَذَهُ عَلَيْهَا.

وتشمل الفَاحِشَةُ فُحْشَ اللِّسانِ؛ فللزَّوج أن يخرجها؛ دفعًا للضَّرَرِ، والأوَّلُأَظْهَرُ.

قوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} .

أي: شَرَائِعَهُ وَمَحَارِمَهُ، وهي أَحْكَامُ الطَّلاقِ، والعدد، والسُّكْنَى؛ فلا يجوز لأَحَدٍ الخُرُوجُ عَنْهَا مهما بلغت البَغْضَاءُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

قوله: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} .

بيَّن - سبحانه - جَرِيمَةَ مَنْ تَعَدَّى حُدُودَ الله بِأَنْ خَالَفَ تِلْكَ الحدودَ الزَّوْجِيَّةَ؛ فقد ظلم نَفْسَهُ؛ أي: فَظُلْمُهُ على نفسه.

قوله: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} .

بَيَّنَ - سبحانه - الحِكْمَةَ مِنْإِبْقَاءِ المطلَّقة في بيت الزَّوج؛ لعلَّ اللهَ بَعْدَ ذَهَابِ الغضب والعَجَلَةِ في الطَّلاق أن تكون هناك فُرْصَةٌ لمراجعتها.

وذلك أَسْهَلُ لِمُرَاجَعَتِهَا قَبْلَ خروجها من بيتها، وقبل انقضاء العدَّة؛ فلعلَّ اللهَ بَعْدَ الطَّلاق أن يُحْدِثَأَمْرًا فَيُرَاجِعَهَا؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ العِدَّةَأجلًا للنَّظَرِ ومراجعة النَّفْسِ.

فلو تفرَّق الزَّوجان من أوَّل وقوع الطَّلاق، كانت الرَّجْعَةُأَشَقَّ، ويكون هناك مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ.

وصحَّ عن عَلِيٍّ قوله: «ما طَلَّقَ رَجُلٌ طَلاقَ سُنَّةٍ فَنَدِمَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت