فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 581

فإذا تقيَّدا بالشَّرع، لم يَجِدَا أَلَم الحسرة على الفراق؛ لأنَّهُمَا خَرَجَا بِقَنَاعَةٍ، لكن يندم على الطَّلاق من لم يتقيَّد بالشَّرع، فتحصل هناك عَجَلَةٌ نَتِيجَةَ الغضب، فَيَحْصُلَ النَّدَمُ.

قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّفَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} .

أي: إذا قَارَبَتِ المُعْتَدَّاتُ على انْتِهَاءِ العِدَّةِ فَحِينَئِذٍإمَّا أن يَعْزِمَ على رَجْعَتِهَا في عصمته مع حُسْنِ العِشْرَةِ، والإنفاق عليهنَّ؛ فهي عِنْدَهُ على تطليقتين، وإن لم يراجعها بَانَتْ منه بِوَاحِدَةٍ، وهي أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا.

لو أنَّ العدَّةَ مَضَتْ، مَضَتِ الأَطْهَارُ الثَّلاثُ، ولم يُرَاجِعْهَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا، لَكِنْ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَعُودَ خَاطِبًا مِنْجَدِيدٍ؛ أَنْ يَعْقِدَ عليها عَقْدًا، وَتَعُودَ إِلَيْهِ زَوْجَةً، وكأنَّ شَيْئًا لم يَكُنْ، ولكن حُسِبَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً.

فأوَّلَ مرَّةٍ ثلاثةُ قروءٍ، ولو أَنَّهُ طلَّقها مرَّةً ثانيةً نَعُودُ إلى التَّرتيب السَّابق؛ تبقى في بيته، وتتزيَّن له، ويأكل معها، وتأكل معه، ولا شيءَ يمنع بينهما إلاَّ اللِّقاءَ الزَّوْجِيَّ، فإن لم يُرَاجِعْهَا، وَمَضَتْ هَذِهِ الأَطْهَارُ الثَّلاثُ، مَلَكَتْ نَفْسَهَا، وبإمكانه ثَانِيَةً أن يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا ثانيًا تَعُودُ زَوْجَتَهُ كَمَا كانت.

اللهُ - جلَّ جلالُه- يقول: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} والمرَّة الثَّانية ثَلاثَةُ قروءٍ.

فإذا طلَّقها ثَالِثةً في طُهْرٍ لم يُجَامِعْهَا فيه، مَلَكَتْ نَفْسَهَا، وبانت عنه بَيْنُونَةً كبرى، ولا تحلُّ له حتَّى تنكح زوجًا غيرَه.

-حُسْنُ العِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوجين:

وَحُسْنُ العِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوجين أَرْبَعَةُأُمُورٍ: أَمْرَانِ يَتَعَلَّقَانِ بالزَّوج؛ بِأَنْ يُحْسِنَ خُلُقَهُ مَعَ زَوْجِهِ، وَنَفَقَتُهُ عليها.

فَخَيْرُ هذه الأمَّة خَيْرُهُمْ لِأَهْلِهِ، وأحسنُهم خُلُقًا مع أهله، وعندما يُنْفِقُ على أهله يُؤْجَرُ، حتَّى ما يَجْعَلُ في امْرَأَتِهِ.

وأَمْرَانِ يتعلَّقان بالزَّوْجَةِ؛ بأن تُحَسِّنَ خُلُقَهَا معه، وأن تساعدَه بِمَالِهَا إذا كانت تَمْلِكُ ذَلِكَ.

العِشْرَةُ الزَّوجيَّةُ بالمعروف ليس إِتْيَانَ المرأة فَحَسْبُ، إنَّما تُحْسِنُ إليها عن طريقين اثنين عن طريق النَّفقة الشَّرعيَّة الَّتي للمرأة بِطِيبِ نَفْسٍ، وعن طريق حُسْنِ المعاملة؛ فلا عُبُوسَةَ، ولا فَظَاظَةَ، ولا غِلْظَةَ، ولا ضَرْبَإلاَّ ما أَذِنَ اللهُ به، واللهُ لا يضرب الخِيَارَ.

ففي «الصَّحيحين» : «يَعْمَدُأَحَدُكُمْ فَيَجْلِدَ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا» . كيف تكون معانَقَةٌ ثمَّ تجلدها بعد ذلك؟

وحديث: «لَا يَفْرُكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا، رَضِيَ مِنْهَا آَخَرَ» .رواه مسلم، وَمِنْ حُسْنِ العِشْرَةِ مُرَاعَاةُ مَشَاعِرِهَا، والتَّغاضي عن الهَفَوَاتِ.

طَرَقَ أَحَدُهُمْ بَابَ سَيِّدِنَا عُمَرَ لِيَشْكُوَ إليه زَوْجَتَهُ، فلمَّا وَصَلَ إلى باب عُمَرَ، سَمِعَ زَوْجَةَ عُمَرَ تَرْفَعُ صوتها عليه، فوقف بالباب حَيْرَانَ، فَهَمَّ بالرُّجوع.

وأثناءَ ذلك خرج عُمَرُ فَوَجَدَ الرَّجُلَ عند الباب، فناداه وقال: ماذا تريد؟ فقال الرَّجلُ: لقد أتيتُأشتكي من زوجتي، فسمعتُ زوجتَك فأردتُ الرُّجوعَ.

فقال عُمَر: «أَلَسْنَ يَحْمِلْنَ الأَوْلادَ، وَيَغْسِلْنَ ثِيَابَنَا، وَيَطْبُخْنَ طَعَامَنَا، وَيُسَكِّنَّ قُلُوبَنَا عن الحرام؟»

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الرَّوابط البشريَّة رِبَاطَ الزَّوْجِيَّةِ، وقد جَعَلَهُ اللهُ- جلَّ وعلا - مِيثَاقًا غليظًا في كتابه، وأعظمُ الأمور الَّتي تُنَمِّي هذا الرِّبَاطَ حُسْنُ خُلُقِ الزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت