فسألوا عن لَوْنِهَا، فأُمِرُوا بـ {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} ؛ أي: مُشْرَبٍ بِحُمْرَةٍ {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} ، وهذا اللَّوْنُ عَزِيزٌ.
فأمرهم بذبح بقرةٍ صفراءَ فاقعٍ لونُها، مع أنَّ اللَّوْنَ الأَصْفَرَ الفاقعَ في البقر نادرٌ؛ فَاقِعٌ لَوْنُهَا: والفقوعُ أَشَدُّ ما يكون من الصُّفرة وَأَنْصَعُهُ، شَدِيدُ الصُّفرة، نَقِيَّةٌ ما فيها إلاَّ اللَّونُ الأَصْفَرُ.
ثمَّ إنَّهم سألوا سؤالًا ثالثًا: ما عمل هذه البقرة؟ ماذا تعمل؟ تحرث .. تزرع .. تسقي .. تعمل؟
{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وما عمل هذه البقرة؟ وَضِّحْ لنا وَظِيفَةَ هذه البقرة؟ لقد تَشَابَهَ الأَمْرُ وَاخْتَلَطَ ولا ندري أيَّ بقرةٍ هي؟
فَأُمِرُوا بذبح بقرةٍ ليست بالذَّلول: وهي المذلَّلة بالحراثة، وسقي الأرض بالسانيَّة. مسلَّمة: وهي الصَّحيحةُ الَّتي لا عيب فيها.
فإنَّها بقرةٌ لا تعمل في الزِّراعة، ولا يوجد فيها أيُّ خَدْشٍ أو علامةٍ. فبحثوا ولم يجدوا إلاَّ بَقَرَةَ الابْنِ الصَّالِحِ الوفيِّ والبارِّ لوالده، وهكذا تُسَاقُ الأَحْدَاثُ؛ لينتصر الحقُّ، ويُكْتَشَفَ القاتلُ.
وهذه الأسئلة من تعنُّتات بني إسرائيل، ومخالفتهم لأنبيائهم - عليهم الصَّلاة والسَّلام - كلَّما سألوا ضُيِّقَ عليهم الأَمْرُ، وأُعْطُوا أوصافًا تُضَيِّقُ الدَّائرة.
فمرَّ بنو إسرائيل يطلبون البقرة، وأبصروا البَقَرَةَ عند رجلٍ بارٍّ بأبيه، فسألوه أن يبيعَهم إيَّاها بقرةً ببقرةٍ، فأبى، فقالوا: واللهِ لا نتركك حتَّى نأخذها منك، فانطلقوا به إلى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - فقالوا: يا نبيَّ الله! إنَّا وجدناها عند هذا، وأبى أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمنًا.
فقال له موسى - عليه السلام: أعطهم بَقَرَتَكَ، فقال: يا رسول الله! أنا أحقُّ بمالي، فقال: صَدَقْتَ، وقال للقوم: أَرْضُوا صاحبَكم. فَأَعْطَوْهُ وَزْنَهَا ذَهَبًا.
{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} أي: وهم يتردَّدون في أَمْرِهَا.
قال الضَّحَّاكُ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «كادوا ألاَّ يفعلوا، ولم يكن ذلك الَّذي أرادوا؛ لأنَّهم أرادوا أن لا يذبحوها» .
يَعْنِي أنَّهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح، ما ذبحوها إلاَّ بعد الجهد.
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} هنا عرفنا السَّبَبَ الَّذي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرُوا بذبح البقرة؛ فقديمُ الأمر بذبح البقرة كان فيه تشويقٌ للسَّامع إلى معرفة ما وراء القصَّة.
{فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} اختلفتم. وقال عطاء الخرسانيُّ والضَّحَّاكُ: اخْتَصَمْتُمْ فيها.
{واللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} ما تُغَيِّبُونَ.
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} هذا البَعْضُ أي: شَيْئًا كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزةُ حاصلةٌ به.
{كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} فَضَرَبُوهُ، فَحَيَا فَقَامَ فقال: قَتَلَنِي فلانٌ.
ونبَّه- تعالى - على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أَمْرِ القتيل.
واللهُ - تعالى - قد ذكر في هذه السُّورة ممَّا خَلَقَهُ من إحياء الموتى في خمسة مواضع: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56] ، وهذه القصَّة، وقصَّة: {الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243] ، وقصَّة الَّذي مرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها، وقصَّة إبراهيم - عليه السَّلامُ - والطُّيُور الأربعة.
وَنَبَّهَ - تعالى - بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رَمِيمًا.
ومختصرُ القول: الآياتُ دَلَّتْ على أنَّ قتيلًا وَقَعَ في بني إسرائيل، فَحَصَلَ اخْتِلافٌ على من قتله، وإنَّهم جاءُوا إلى موسى - عليه السَّلامُ - فسألوه، وإنَّ اللهَ أَمَرَهُمْ أن يذبحوا بقرةً، فتعنَّتوا وسألوا هذه الأوصافَ، ثمَّ أخذوها وذبحوها، وأخذوا بضعًا منها؛ أي: قِطْعَةً، فضربوه بها، فأحياه اللهُ، فأخبرهم بمن قتله، ثمَّ عاد مَيِّتًا.