فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 581

وَيُوزَنُ العَامِلُ والعملُ والصَّحائف، دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ؛ فَفِي كتاب الله هذه الآية: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} .

ومن السُّنَّة حديثُ «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ» متفق عليه.

وَأَجْمَعَأَهْلُ السُّنَّةِ على أنَّ هناك مِيزَانًا، وَمَنْأَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ، ويوزن في الميزان العاملُ.

كما في حديث ابن مسعودٍ - رضي اللهُ عنه - أنَّه كان يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ، وكان دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَأُهُ، فَضَحِكَ القومُ منه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مِمَ تَضْحَكُونَ؟» ، قالوا: يا نبيَّ الله مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ.

فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» . رواه أَحْمَدُ.

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» ؛ {فَلَا نُقِيمُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا} ؛ أَيْ: قِيمَةً وَقَدْرًا؛ لأنَّه ليس له حَسَنَاتٌ.

وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ حَبَّةَ شَعِيرَةٍ» .

وأمَّا وَزْنُ الصَّحَائِفِ فَعَنْ عبد الله بن عمروٍ: «يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلاًّ، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ البَصَرِ، ثُمَّ يُقَالُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ. فَيُقَالُ: أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ؟ فَيَهَابَ الرَّجُلُ وَيَقُولُ: لَا.

فَيُقَالُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّه لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ - وَهِيَ الوَرَقَةُ الصَّغِيرَةُ - فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَمَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. فَتُوضِعَ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ» رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجة.

وتوزن الأعمالُ؛ لحديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِحَدِيثِ أبي مَالِكٍ الأشعريِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

جاء في الأحاديث أنَّ مَلَكًا بين كِفَّتَيِ الميزان؛ إذا رَجَحَ ميزانُ العبد، نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ سَعِدَ فُلانُ ابْنِ فُلانٍ سَعَادَةً لا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا.

وَإِذَا خَفَّتْ مَوَازِينُ عَبْدٍ، نادى بأعلى صَوْتِهِ: شَقِيَ فُلانُ بْنِ فُلانٍ شَقَاوَةً لا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا.

وقد ينجح ميزانُ العَبْدِ بِقَلِيلٍ من العمل، ولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ.

وَلِحَدِيثِ أَبِي الدَّرداء قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» رواه أحمد و الترمذي و أبو داوود بغير لفظ المؤمن.

كِفَّةُ المِيزَانِ تَسَعُ السَّمَاوَاتِ والأرضَ، ومدَّةُ الوزن للخلائق مِقْدَارُ حَلْبِ شَاةٍ قَدْرَ فُوَاقَةٍ؛ أَيْ: عَصْرَةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: كَلَمْحِ البَصَرِ.

قوله: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} :أي مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيِّئاته فالنَّتيجة:

قوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} :أَيْ: في حياةٍ طَيِّبَةٍ رَاضِيَةٍ، والمعنى عِيشَةٌ طَيِّبَةٌ ليس فيها نَكَدٌ، وليس فيها صَخَبٌ، وليس فيها نَصَبٌ، كاملةٌ من كلِّ وَجْهٍ.

قوله: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} :هو الَّذي رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ على حسناته، أَوِ الَّذي ليس له حَسَنَةٌ.

قوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} : على تَفْسِيرَيْنِ: « {أُمُّهُ} قِيلَ على أُمِّ رَأْسِهِ يَهْوِي في نَارِ جَهَنَّمَ تَعْذِيبًا له» .

وقيل: «أُمُّهُ أَيْ: مَأْوَاهُ وَمَسْكَنُهُ» النَّارُ تكون له بمنزلة الأمِّ الملازمة، كما قال تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} ولا مَانِعَ مِنَ الأَمْرَيْنِ؛ يُرْمَى في النَّار على أمِّ رَأْسِهِ، وأيضًا ليس له مأوى ولا مَسْكَنٌ إلاَّ النَّارُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت