فهرس الكتاب
قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} :كرَّر هذا اللَّفْظَ تَهْوِيلًا وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، لمَّا هَوَّلَ - سبحانه - مِنْ شَأْنِهِ، وَفَخَّمَهُ، وَنَبَّهَ العقولَ على ما يكون في هذا اليوم، بَيَّنَ كيف يكون حالُ النَّاس في هذا اليوم.
قوله: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} :أي: في انتشارهم وتفرُّقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم ممَّا هم فيه.
المَبْثُوثُ أَيِ: المُفَرَّقَ .. يخرج النَّاس من قبورهم فَزِعِينَ، كأنَّهم فَرَاشٌ مَبْثُوثٌ، يَمُوجُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ؛ مِنْ شِدَّةِ الفزع والحِيرَةِ.
وَشَبَّهَ اللهُ خُرُوجَ النَّاسِ بالفَرَاشِ؛ لأنَّه إذا ثار لم يتَّجه إلى جهةٍ واحدةٍ، بل كلُّ واحدةٍ تَذْهَبُ إلى غير جِهَةِ الأخرى.
فَدَلَّ على أنَّهم إذا بُعِثُوا فَزِعُوا، فهم يشبهون الفراشَ في ضَعْفِهِ، وَحَيْرَتِهِ يوم القيامة.
تَصَوَّرْ قِيَامَ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ في هذا اليَوْمِ من لَدُنْآَدَمَ إلى آَخِرِ بَشَرٍ، يقومون من قبورهم قَوْمَةً وَاحِدَةً، ويتوجَّهون إلى أرض المحشر، يموج بعضُهم في بعضٍ فَزِعِينَ؛ لأنَّ الهَوْلَ عَظِيمٌ، فلا يَدْرُونَ في أيِّ اتِّجَاهٍ يمشون؛ {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} .
وخروجُهم خُرُوجٌ قَهْرِيٌّ؛ فلا يتخلَّف منهم أَحَدٌ. يقول اللهُ تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْأَحَدًا} .
فَيُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القيامة مِثْلَ هذه الحشرات الضَّعيفة، كالفراش المَبْثُوثِ، أو كالجراد المنتشر، ويغطُّون وَجْهَ الأرض من كثرتهم، ويُهَانُونَ ويُذَلُّونَ إلاَّأَهْلَ الإيمان {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} وَذَكَرَ الفَرَاشَ في ضَعْفِهِ وَحَيْرَتِهِ.
قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} :أي وتَذُوبُ الجبالُ الصُّمُّ الصِّلابُ، وَتَصِيرُ هَبَاءً غُبَارًا، كالصُّوف المتناثر المتطاير، تتفرَّق أجزاءُها، وتتطاير في الجوِّ.
جَمَعَ بين حال النَّاس، وحال الجبال؛ تنبيهًا على أنَّ تلك القَارِعَةَأَثَّرَتْ في الجبال العظيمة الصُّلْبَةِ، حتَّى تَصِيرَ كالصُّوفِ المندوف، مع أنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فكيف حالُ الإنسان الضَّعيف المقصود بالتَّكليف والحساب؟
فَمِنْ شِدَّةِأَهْوَالِ القيامة تتغيَّر الأَحْوَالُ العُلْوِيَّةُ والسُّفْلِيَّةُ؛ فالسَّمَاءُ تتشقَّق وتُصْبِحُ وَاهِيَةً، والأرضُ تَنْدَكُّ، والجبالُ الصُّمُّ الصِّلابُ تُنْسَفُ، فتكون هباءً منثورًا، وتضمحلُّ ولا يبقى منها شَيْءٌ.
فهل يَسْتَمِرُّ النَّاسُ على هذه الحال؟ لا. فحينئذٍ تُنْصَبُ المَوَازِينُ، وَيَنْقَسِمُ النَّاسُ إلى قِسْمَيْنِ:
-القسمُ الأوَّلُ: مَنْ ثَقُلَتْ موازينُه، وهو الَّذي رَجُحَتْ حسناتُه على سيِّئاته.
-والثَّاني: من خفَّت موازينُه، وهو الَّذي رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ على حسناته، أو الَّذي ليس له حَسَنَةٌ.
فإذا عُرِفَ هذا فقد أجمع أهلُ السُّنَّةِ على الإيمان بالميزان، وأنَّ أَعْمَالَ العباد تُوزَنُ يَوْمَ القيامة، وأنَّ المِيزَانَ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ له لسانٌ وَكِفَّتَانِ، وَيَمِيلُ بالأعمال.
الميزانُ حَقِيقِيٌّ، ومن أعظم ما خلق الله - تعالى - وَمَكَانُهُ في الآَخِرَةِ عند الله - عزَّ وجلَّ - وبيده سُبْحَانَهُ.
أَخْرَجَ الإمامُ الحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ وصحَّحه الألبانيُّ في «السِّلسلة» مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا: «يُؤْتَى بِالْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ كِفَّتَانِ، فَلَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّتِهِ السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَوَسِعَتْهُ، فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: رَبَّنَا مَنْ تَزِنُ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: مَا شِئْتُ مِنْ خَلْقِي. فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» .
وحديثُأَنَسٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ» .
قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ» . قَالَ: قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ» . قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ؛ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ» . أخرجه أحمدُ والتِّرمذيُّ بإسنادٍ صَحِيحٍ، واللَّفظُ للتِّرمذيِّ.