وكلُّ ذلك ليبيِّن اللهُ لعباده أنَّهُ الخالقُ، وأنَّ الأَمْرَ لايَقِفُ عند الأسباب، وأنَّه على كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فَوُلِدَ عِيسَى بِبَيْتِ لَحْمٍ في عَهْدِ هيرودوس المَلِكِ الرُّومانيِّ من قبل الإمبراطور أغسطس، وَحَمَلَتْ به أُمُّهُ العَذْرَاءُ الَّتي عُرِفَتْ بالطُّهْرِ والتَّقْوَى والعبادة، وأيَّدَهُ بِصِفَاتٍ كَرِيمَةٍ ومعجزاتٍ عَظِيمَةٍ.
فأمَّا صفاتُ هذا النَّبيِّ الكريم:
1 -هو كَلِمَةُ الله واسمُه المسيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. قيل: «يَمْسَحُ الأرض، أَوْ مَسِيحُ القَدَمَيْنِ، أَوْ يَمْسَحُ ذَوِي العاهات، فَيُشْفَوْنَ» . وقيل: «يَعْرِفُهُ المؤمنون بالمَسِيحِ» .
2 -وَجِيهٌ في الدُّنيا والآخرة؛ أي: له وَجَاهَةٌ وَمَكَانَةٌ عند الله في الدُّنيا والآخرة.
3 -ومن المقرَّبين عند الله.
4 -ويكلِّم النَّاسَ في المَهْدِ وَكَهْلًا؛ فيكلِّمهم في صِغَرِهِ مُعْجِزَةً، وفي حالة كُهُولَتِهِ.
5 -ومن الصَّالحين.
6 -وجعله رسولًا إلى بني إسرائيل.
7 -أيَّدَهُ - سُبْحَانَهُ - بمعجزاتٍ دَالَّةٍ على صِدْقِهِ، وأنَّهُ رَسُولُ الله حقًّا، وَنَبِيُّهُ صِدْقًا.
8 -يجعل الجمادَ حَيَوَانًا. {يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} .
9 -مداواةالأَبْرَصِ والأعمى، وشفاء المرضى الَّذين عَجَزَ الأطبَّاءُ والحكماءُ عن شفائهم.
10 -فأعطاه اللهُ القُدْرَةَ على إحياء الموتى، وَبَعْثِ مَنْ هو في قبره رَهِينٌ إلى يوم التَّنَادِ.
11 -ومنها الإخبارُ بالأمور الغَيْبِيَّةِ؛ فأعلمه اللهُ بَعْضَ الغيب، فكان يعرف ما يأكل النَّاسُ، وما يدَّخرون في بيوتهم.
ومع هذه المعجزات والصِّفات العظيمة، لكنَّ مَرْيَمَ لم تَسْلَمْ من إشاعات اليهود واتِّهاماتهم.
ولمَّا خافت على نَفْسِهَا وولدها من غَدْرِ اليهود، أَخَذَتِ ابنَها، وسارت به إلى مكانٍ بَعِيدٍ عن قومها؛ حتَّى لا يُؤْذُوهُ.
ولمَّا كَبُرَ، عادت به مرَّةً أخرى، ولمَّا عاد عيسى - عليه السَّلامُ - إلى قومه، رَأَى أنَّهم قَدِ انْحَرَفُوا عن منهج الله.
{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} ، {إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} . [آلعمران: 50 - 51.
فَبَعَثَ اللهُإِلَيْهِمْ عِيسَى، فتنكَّر اليهودُ لهذه الدَّعْوَةِ، ومع هذه المعجزات الخارقة الَّتي جاء بها عيسى إلى بني إسرائيل لم يؤمن به إلاَّ القَلِيلُ، واستمرَّ أَكْثَرُهُمْ على كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، بالإضافة إلى أنَّهم رَمُوهُ بالسِّحْرِ.
ولم يَيْأَسْ عيسى - عليه السَّلامُ - بل استمرَّ يدعوهم إلى عبادة الله؛ عسى أن يؤمنوا بالله وَحْدَهُ.
{وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: واذكر نعمتي عَلَيْكَ في كَفِّي إيَّاهم عنك، حين جِئْتَهُمْ بالبراهين والحُجَجِ القاطعة على نُبُوَّتِكَ ورسالتك من الله إليهم، فكذَّبوك واتَّهموك بأنَّك ساحرٌ.
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} أَيِ: اسْتَشْعَرَ منهم التَّصْمِيمَ على الكُفْرِ والاستمرار على الضَّلال. {قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} .
وَطَلَبَ عيسى - عليه السَّلامُ - مِنْ قَوْمِهِ النُّصْرَةَ لِدِينِ الله؛ {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ} وكانوا اثْنَيْ عَشَرَ رجلًا.
والحواريُّون هم الأنصار. وقيل: حَوَارِيٌّ، وهمْ أصفياءُ عِيسى - عليه السَّلامُ - وشِيعتُه وناصِرُوه، وخُلاصةُ أصحابِه.
وَمُخْتَصَرُ القول: صَفْوَةُ أصحابه.