{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فقد تَنَافَسَ القومُ على من يَكْفُلُهَا، فحينما جاءت أمُّ مَرْيَمَ بها إلى بيت المَقْدِسِ تنازعوا على كفالتها، فاصطلحوا على القُرْعَةِ، فساعدت المقاديرُ زَكَرِيَّا، ففاز بالقُرْعَةِ شَرْعًا وقدرًا.
فاتَّخذت مريمُ مكانًا شرقيًّا؛ أي: شَرْقِيَّ بَيْتِ المقدس، وتفرَّغت للعبادة والذِّكْرِ والطَّاعة، فكانت تعبد الله فيه.
وكان زكريَّا - عليه السلام - كلَّما دَخَلَ عليها المِحْرَابَ الَّذي هو مكانُ العبادة، وَجَدَ عندها رزقًا.
قالوا: «وَجَدَ فَاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاء، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ في الصَّيْفِ» . فتعجَّب زكريَّا وسألها: أَنَّى لَكِ هذا؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ولا عَمَلٍ ولا كَسْبٍ.
واستمرَّت على ما هي عليه من العبادة ليلَها ونهارَها، حتَّى صار يُضْرَبُ بها المَثَلُ بِعِبَادَتِهَا في بني إسرائيل، واشْتُهِرَتْ بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة، والصِّفات الشَّريفة.
-بشارة الملائكة لها:
أَرْسَلَ اللهُ لها الملائكةَ لتبشِّرَها {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} اختارك {وَطَهَّرَكِ} من الأخلاق السَّيِّئَةِ {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} إمَّا في زمانها أو مطلقًا على خلافٍ في ذلك.
-تجهيز مريم للمعجزة الكبرى:
وأمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسُّجود والرُّكوع والدَّأَبِ في العمل لها؛ لِمَا يريد اللهُ- تعالى - بها من الأَمْرِ الَّذي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، ممَّا فيه مِحْنَةٌ لها، وَرِفْعَةٌ في الدَّارَيْنِ، وَتَجْهِيزُ مَرْيَمَ للمعجزة الكبرى، من إنَّها سَوْفَ تَحْمِلُ وَتَلِدُ وهي عذراءُ. وهذا أَمْرٌ صَعْبٌ عليها؛ فلابدَّ لها مِنْ تَهْيِئَةٍ وتمهيدٍ، فَجُهِّزَتْ لليوم العظيم، لمعجزة البشريَّة الكبرى.
مِنْ أعظم المعجزات معجزةُ وِلادَةِ عيسى- عليه السَّلام - بلا أَبٍ، ثمَّ بشَّروها بِوَلَدٍ منها؛ وَلَدٍ عَظِيمٍ، له شَأْنٌ كَبِيرٌ، نبيٍّ ورسولٍ مؤيَّدٍ بالمعجزات.
وَتَعَجَّبَتْ كيف يكون لها، وهي بلا زوجٍ، ولم تكن بغيًّا! قالوا لها إنَّ اللهَ لا يَصْعُبُ عليه شَيْءٌ. {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ} أنَّهُ هو الخَالِقُ، {وَرَحْمَةً مِّنَّاوَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} به وبأمِّه وبالنَّاس.
وهذا أَمْرٌ مَقْضِيٌّ. فاستسلمت لأمر ربِّها، فلمَّا حملت به، ابْتَعَدَتْ عنهم مكانًا قصيًّا.
قيل: هَرَبَتْ إلى بَيْتِ لَحْمٍ، وجاءها المَخَاضُ إلى جِذْعِ نَخْلَةٍ. فاللهُ - تعالى - يصوِّر لك حالتَها، فتمنَّت لو كانت نَسْيًا منسيًّا شيئًا لا يُذْكَرُ.
وعند النَّخْلَةِ ناداها المَلَكُ: {ألاَّ تَحْزَنِي} فأمَّا الطَّعَامُ والشَّرابُ فـ {قَدْ جَعَلَ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ؛ أي: نَهْرًا يَجْرِي. {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} .
أمَّا مِنْ جِهَةِ النَّاس فقولي: {اِنِّي نَذَرْتُ لِلْرَّحْمَنِ صَوْمًا} ؛ أي: صمتًا. {فَلَنْأُكَلِّمَ الْيَوْمَإِنْسِيًّا} وهذا يعطينا بأنَّهُ لا يكون دائمًا الرَّدُّ صحيحًا، وأنَّ الجِدَالَ العَقِيمَ لا يُثْمِرُ.
فَأَتَتْ به قَوْمَهَا تحمله، فلمَّا رَأَوْهُ، استنكروه، وأعظموا أَمْرَهَا، فأشارت إليه أن كلِّموه، فقالوا: كيف نكلِّم من كان في المَهْدِ صَبِيًّا؟
فَأَنْطَقَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - عيسى - عليه السَّلامُ - فقال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} .
والسُّؤَالُ الَّذي يتبادر إلى الأذهان: ماهي الحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ عيسى - عليه السلام - بلا أَبٍ؟ لأنَّها من أعظم معجزات الكون؛ لتكتمل صور الخَلْقِ الأربع آَدَمُ بِلَا أَبٍ ولا أُمٍّ، وحوَّاءُ بلا أبٍأو أمٍّ، وعيسى من أمٍّ بلا أبٍ، وبقيَّةُ البشر منأَبٍ وَأُمٍّ.