فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 581

فَأَمَرَهُمْ بالصَّبْرِ عند المصائب، وبالشُّكْرِ عند النِّعَمِ؛ لأنَّ غَيْرَ المؤمن يَجْزَعُ، ولا يَصْبِرُ عند المصائب، ولا يَشْكُرُ اللهَ عِنْدَ النَّعْمَاءِ.

علَّل- سبحانه - نَهْيَهُ عن الفرح الَّذي يَصْحَبُهُأَشَرٌ وَبَطَرٌ.

قوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} .

هذا تَعْقِيبٌ؛ لأنَّ الفَرَحَ بِغَيْرِ حَقٍّ ينتج عنه الاختيالُ في النَّفس، والفخرُ على الغير، والتَّعالي؛ فاللهُ لا يحبُّ كلَّ مختالٍ فخورٍ.

فاختيالُهُ وَفَخْرُهُ من كُفْرِهِ بِنِعَمِ الله وَبُخْلِهِ بما آتاهُ اللهُ.

قوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} .

يبخلون أي: يفعلون المُنْكَرَ. وذلك بِمَنْعِ حقوق المال الواجبة والمستحبَّة؛ لأنَّ المؤمنَ يُؤَدِّي حقوقَ المال الواجبة والمستحبَّة.

والبُخْلُآفَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ، وَيُبْغِضُهَا النَّاسُ، فيبخلون على أنفسهم.

قوله: {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} هؤلاء يُبْغِضُهُمُ اللهُ وَيَمْقُتُهُمْ.

فالمسلمُ يكون كريمًا في نفسه، ويحثُّ غَيْرَهُ على الإنفاق في سبيل الله.

قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ} .

أي: يتولَّى عن أمر الله وطاعته.

فيتولَّى بنفسه، وَيُعْرِضُ عن طاعة الله، وعن الإنفاق؛ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن خَلْقِهِ.

اللهُ ليس محتاجًا إلى خَلْقِهِ حينما يحثُّهم على الإنفاق، إنَّما من أَجْلِ مصلحتهم.

قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} .

غنيٌّ عن عباده، وَحَمِيدٌ يَشْكُرُ للعبد العَمَلَ القليلَ، ومحمودٌ على كلِّ حالٍ.

قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} .

كلمة «لقد» اللاَّمُ لامُ القَسَمِ، و «قد» حَرْفُ تَحْقِيقٍ، فَأَقْسَمَ اللهُ على ذلك، وأكَّدَهُ، وتقديرُ الكلام: والله لقد أَرْسَلْنَا.

أَخْبَرَ - سبحانه - عن فَضْلِهِ على عباده بإرسال الرُّسُلِ، وإنزال الكتب، وتأييدهم بالمعجزات.

فالرُّسُلُ هم أَكْرَمُ الخَلْقِ عند الله، وهم صَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وكلُّ خَيْرٍ ناله العبادُ فهو على أيديهم، وَبِهِمْ عُرِفَ، وَبِهِمْ عُبِدَ اللهُ، وأعلاهم مَنْزِلَةًأولو العَزْمِ الخَمْسَةُ، وعليهم دارت الشَّفاعةُ.

قوله: {بِالبَيِّنَات} أي: بالمعجزات لكلِّ رَسُولٍ ولكلِّ نَبِيٍّأيَّده بالمعجزات، والبراهين القاطعة الَّتي تدلُّ على صدق الرُّسُلِ، وصحَّة ما يدعون إليه؛ فكلُّ نبيٍّ من أنبياء الله أو رسولٍ من رُسُلِ الله له مُعْجِزَةٌ على الأقلِّ يتميَّز بها.

فمعجزةُ نُوحٍ - عليه السَّلامُ - السَّفِينَةُ بعد أن أقام عليهم الحُجَجَ الكَثِيرَةَ، ومعجزةُ صَالِحٍ - عليه السَّلامُ - النَّاقةُ، ومعجزةُأبينا إبراهيم - عليه السَّلام - النَّجاةُ من النَّار، ومعجزة موسى - عليه السَّلامُ - العصا واليد.

ومعجزاتُ عيسى - عليه السَّلامُ - كثيرةٌ، منها مَوْلِدُهُبلا أَبٍ، ويبرئ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ، ويحيي الموتى بإذن الله.

فحينما أجرى اللهُ على يَدَيْهِ هذه الآياتِ هل كان عيسى ابنُ مريم يعتبر هذه الآيات ناتجة عن قُدْرَته، أم أجراها اللهُ على يَدَيْهِ؟

هل هو الَّذي خَلَقَهَا وَأَمَرَهَا وَأَحْيَاهَا أم قيَّدها بإذن الله في كلِّ خَصْلَةٍ؟

وقد ضلَّت أممٌ بسبب هذه الآيات إلى يومنا هذا، وانقسم النَّاسُ فيه إلى ثلاثة أقسامٍ: قِسْمٍ عَادَوْهُ، وَقِسْمٍ عَبَدُوهُ، وَقِسْمٍ قالوا عَبْدُ الله ورسولُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت