تقول خَوْلَةُ: إنَّها كانت تحت أَوْسٍ، وكان رجلًا كبيرًا، وكان فيه حِدَّةٌ، فَدَخَلَ عليها يومًا، فَرَاجَعَتْهُ في أَمْرٍ، فَغَضِبَ عَلَيْهَا وقال: أَنْتِ عليَّكَظَهْرِ أُمِّي. ثمَّ خَرَجَإلى نادي قَوْمِهِ، ثمَّ رَجَعَ وَظَهَرَ عليه النَّدَمُ، فأرادها على نَفْسِهَا.
فقالت: لا واللهِ حتَّى يقضيَ اللهُ ورسولُه فينا. تقول: فَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَ جَارَتِي، فذهبتُإلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عند عائشة، فأخبرتُه بما قال، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا عِنْدِي فِي أَمْرِكِ شَيْءٌ» .
وَرُوِيَأنَّه قال: «مَا أَعْلَمُكِ إِلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» . فقالت: ما ذَكَرَ طلاقًا، فَانْظُرْ في حالي يا رسولَ الله، إنَّأَوْسًا أَخَذَنِي وأنا شابَّة، وَكَثِيرٌ كان يَرْغَبُ فِيَّ، فلمَّا كَبُرَتْ سِنِّي، وَنَثَرْتُ له ما في بَطْنِي، حرَّمني على نَفْسِهِ، ماذا أَفْعَلُ بالصِّبْيَةِ؛ صِغَارٌإِنْتَرَكْتُهُمْ معه ضَاعُوا، وإن أخذتُهم معي جاعوا.
فيقول لها النَّبيُّصلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا أَعْلَمُكِ إِلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» . وهي تُرَاجِعُهُ وَتَضْرَعُإلى اللهِ، وَعَائِشَةُ عند رسول الله ترجل شعرَه، ثمَّإنَّرسولَ الله تغشَّاه الوحيُ، فقالت عائشة: إِلَيْكِ يَا خَوْلَةُ الرَّسولُ يُوحَاإليه.
فتنحَّت، فلمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قال: «أَبْشِرِي يَا خَوْلَةُ، نَزَلَ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ بِالفَرَجِ» . فَتَلا صَدْرَ هذه السُّورة إلي نهاية الآيَةِ الرَّابعةِ. رواه أحمد و أبو داوود.
فبيَّن اللهُ حُكْمَ الظِّهَارِ، وَجَعَلَهُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً بعد أن كان طلاقًا.
قوله: {وَاللَّهُيَسْمَعُتَحَاوُرَكُمَاإِنَّاللَّهَسَمِيعٌبَصِيرٌ} .
اللهُ سَمِعَ المُجَادَلَةَ بين الرَّسول والمرأة.
قالت عائشة: تبارك الَّذي وَسِعَ سَمْعُهُ كلَّ شَيْءٍ، إنِّي لأَسْمَعُ كلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عليَّ بَعْضُهُ، وهي تشتكي زَوْجَهَا إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي تقول: يا رسولَ الله، أَكَلَ شَبَابِي، ونثرتُ له بطني، حتَّى إذا كبرت سنِّي، وانقطع ولدي، ظاهر منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليك. فَمَا بَرِحَتْ حتَّى نزل جبريلُ بهؤلاء الآيات: {قَدْسَمِعَاللَّهُقَوْلَالَّتِيتُجَادِلُكَفِيزَوْجِهَا وتشتكي إلى الله} .
قال الحافظُ ابْنُ حَجَرٍ: هذا أَصَحُّ ما وَرَدَ في قصَّة المجادلة وَتَسْمِيَتِهَا.
قوله: {التي تجادلك} هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ.
ما كانت تَسْأَلُ ولا تُخْبِرُ، بل كانت تجادل وتراجع.
قوله: {وتشتكي إلى الله} .
تشتكي ما لَدَيْهَا مِنَ الهَمِّ، وتسأله الفَرَجَ.
والشَّكْوَى إلى الخَلْقِ مَكْرُوهٌ أو مُحَرَّمَةٌ حَسَبَ الحال، والشَّكْوَى إلى الله مَطْلُوبَةٌ لذلك.
قالت: يا رسولَ الله ما ذَكَرَ طلاقًا، وإنَّما هو أبو ولدي وأحبُّ النَّاسِ إليَّ. فقال: «حَرُمْتِ عَلَيْهِ» . فقالت: أشكو إلى الله فَاقَتِي وَوَجْدِي، اللَّهمَّ إنِّي أشكوه إِلَيْكَ. فَدَعَتِ اللهَ، وَضَرَعَتْإليه لحلِّ مُشْكِلَتِهَا.
لذلك فرَّج اللهُ عنها لمَّا أَنْزَلَتْ فَاقَتَهَا وَحَاجَتَهَا بالله.
قوله: {وَاللَّهُيَسْمَعُتَحَاوُرَكُمَا} .
التَّحاوُرُ مِثْلُ المُجَادَلَةِ ردُّ الكلام بَعْضِهِ على بَعْضٍ.
قوله: {إِنَّاللَّهَسَمِيعٌبَصِيرٌ} .
أكَّد اللهُأنَّه سَمِيعٌ بأقوالهم، وبصيرٌ بأفعالهم؛ حتَّى يكونَ النَّاسُ على حَذَرٍ.
اللهُ سَمِيعٌ لكلِّ قَوْلٍ، وَبَصِيرٌ بكلِّ شَيْءٍ. تقول عائشةُ - رضي الله عنها - وكانت حاضرةً: الحَمْدُ لله الَّذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، لقد جاءت المجادِلةُ خَوْلَةُ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنا في جانب البيت، ما أسمع ما تقول، فَأَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {قَدْسَمِعَاللَّهُقَوْلَالَّتِيتُجَادِلُكَفِيزَوْجِهَا وتشتكي إلى الله .. الآية} . رواه أحمدُ والنَّسائيُّ.