فهرس الكتاب
وفيها إثباتُ صِفَتَيِ السَّمْعِ والبصر لله على ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ؛ فهو يَسْمَعُ الأصواتَ، وَيُبْصِرُ وَيَرَى كما قال اللهُ لموسى - عليه السلام: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} .
وننزِّه ربَّنا عن تشبيهه بصفات المخلوقين؛ فاللهُ مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ، وهو مُسْتَغْنٍ عن عَرْشِهِ وَسَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ، والعرشُ وَسَائِرُ المَخْلُوقَاتِ مُحْتَاجُونَإليه.
فأخبرنا ربُّنا في هذه الآيات عن سَمْعِهِ لِشَكْوَى هذه المَرْأَةِ.
-ومن الفوائد:
وَقَفَ عُمَرُ مَعَ عَدَدٍ كَبِيرٍ من النَّاس، واسْتَوْقَفَتْهُ امْرَأَةٌ، فأصغى لها عُمَرُ وَأَطَالَ الوقوفَ مَعَهَا، ثمَّ انصرف.
يقولُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره لسورة المجادلة هكذا: «لَقِيَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ-يقاللهاخولةُبنتُثعلبة-وهويسيرمعالنَّاس .. فاستوقفتْه .. فوقفلها .. ودنامنها .. وأصغى إليها رأسَه .. ووضع يديه على منكبيه حتَّى قَضَتْ حاجتَها وانصرفت ..
فقال له رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين .. حَبَسْتَ رجالات قريشٍ على هذه العجوز؟ قال: ويحك .. وتدري من هذه؟ قال: لا .. قال: هذه امرأةٌ سَمِعَ اللهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماواتٍ .. هذه خولةُ بنتُ ثَعْلَبَةَ .. واللهِ لو لم تَنْصَرِفْعنِّي إلى اللَّيل ما انصرفتُ عنها، حتَّى تقضيَ حاجتَها، إلى أن تحضرَ صلاةٌ فأصلِّيها .. ثمَّ أرجع إليها حتَّى تقضي حاجتها. رواه ابن كثير في تفسيره و هو منقطع.
قوله: {الَّذِينَيُظَاهِرُونَمِنْكُمْمِنْنِسَائِهِمْ} .
بعد أن بَيَّنَ اللهُ محاورةَ المرأة للرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بَيَّنَ هنا عِلْمَهُ بما قال الرَّجُلُ.
فيقولُ الرَّجُلُ منهم لزوجته: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي» . يشبِّهها بأمِّه في التَّحريم.
قوله: {مَاهُنَّأُمَّهَاتِهِمْ} .
لا يصيِّرها أمًّا بهذا القول؛ لِعَدَمِ مُشَابَهَةِ الزَّوجة لحرمة الأمِّ.
قوله: {إِنْأُمَّهَاتُهُمْإِلَّااللَّائِيوَلَدْنَهُمْ} «إِنْ» نَافِيَةٌ؛ أي: ما أمَّهاتُهُم إلاَّ من وَلَدْنَهُمْ.
قوله: {وَإِنَّهُمْلَيَقُولُونَمُنْكَرًامِنَالْقَوْلِوَزُورًاوَإِنَّاللَّهَلَعَفُوٌّغَفُورٌ} لأنَّه مُنْكَرٌ في نفسه؛ لأنَّهنَّ لَسْنَأمَّهاتهم، وهذا مُنْكَرٌ من القَوْلِ وزورًا؛ أي: لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فهو مُنْكَرٌ باعتبار الإنشاء، وَزُورٌ باعتبار الإخبار.
فَحَرَّمَ اللهُ الظِّهَارَ وهو أن يشبِّهها بأمِّه، وهو تَحْرِيمٌ لِمَا أَحَلَّ اللهُ، وَفِيهِ تَعَدٍّ على حدودِ الله، وَسَمَّاهُ الله مُنْكَرًا وزُورًا، وهو شِدَّةُ الكَذِبِ، وَيَأْثَمُ قَائِلُهُ، وَيَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ والكفَّارَةُ.
فالظِّهَارُ مُحَرَّمٌ، وَنَهَى اللهُ عَنْهُ، والمُفَارَقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَكُونُ بالطَّلاق، لَكِنْ لَوْ وَقَعَ فيه الإنسانُ تَلْزَمُهُ الكفَّارَةُ، ولا تَحْرُمُ زَوْجَتُهُ عَلَيْهِ.
وبالاتِّفاقِ بين العلماءإنَّقَوْلَالرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كظهر أمِّي، إنَّه ظِهَارٌ، واختلفوا إذا شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْأَعْضَائِهَا غير الظَّهر، أو شبَّهها بالمحارم.
والَّذي يظهر أنَّه كلَّه ظِهَارٌ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ لِعِلَّتِهِ، لا لِمُجَرَّدِألفاظه.
ولا يَصِحُّ مُظَاهَرَةُ المرأة لِزَوْجِهَا بالاتِّفاق بين الأَئِمَّةِ؛ لأنَّ الظِّهَارَ يُرَادُ مِنْهُ المُفَارَقَةُ؛ وَهِيَ بِيَدِ الرَّجل، وليس فيها كفَّارَةُ ظِهَارٍ، ولا يَمِينٌ على الصَّحيح.
لمَّا ذَكَرَ اللهُ أنَّالظِّهَارَ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وأنَّ زَوْجَاتِهِمْ لَسْنَأمَّهَاتَهُمْ، فَتَحَأَمَامَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ.
يقول ابنُ القَيِّمِ: «مَهْمَا حَرِصَ العَبْدُ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ فلا بُدَّ أن يُوقِعَهُ في مَعْصِيَةٍ عَنْ طَرِيقِ ثلاثة أمورٍ؛ غَضَبٍ أو غَفْلَةٍ أو شَهْوَةٍ، لكن المؤمن التَّقيُّ سرعان ما يتدارك ذلك بالتَّوبة» .
قوله: {وَالَّذِينَيُظَاهِرُونَمِنْنِسَائِهِمْثُمَّيَعُودُونَلِمَاقَالُوا} .