فهرس الكتاب
أتى اللهُ - تعالى - بمقدِّمة الظِّهار وبيَّن شناعتَه ثمَّ ذَكَرَ كفَّارتَه على التَّرتيب، وبيَّن عَظَمَةَ الذَّنْبِ، ثمَّ بيَّن حلَّالمُشْكِلَةِ.
{ثم يعودون لما قالوا} ماذا قالوا؟ أيتَحْرِيمَ الجِمَاعِ على نَفْسِهِ، فحرَّم اللهُ عَلَيْهِ العَوْدَةَ قَبْلَ الكفَّارة.
المرادُ بالعَوْدَةِ أي: العَوْدَةَ إلى الزَّوجيَّة؛ وهي الجِمَاعُ، إلاَّ بَعْدَ الكفَّارة.
قوله: {فَتَحْرِيرُرَقَبَةٍ} .
هنا ذَكَرَ كفَّارةَ الظِّهَارِ؛ وهي على التَّرتيب بلا خلافٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ - وبعضُهم قيَّدها بمؤمنةٍ - فَإِنْ عَجَزَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ متتابعين، فإن عَجَزَ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مسكينًا، فإن لم يَجِدْ تَبْقَى في ذِمَّتِه حتَّى يَقْدِرَ.
وقال بعضُهم: تَسْقُطُ. وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا نَزَلَتِ الآَيَاتُ في الظِّهَارِ قال رسولُ الله للمرأة: «مُرِي صَاحِبَكِ يُعْتِقُ رَقَبَةً» . فَقَالَتْ: واللهِ لا يَجِدُ. فقال: «مُرِيهِ يَصُومُ شَهْرَيْنِ» . فَقَالَتْ: شَيْخٌ كَبِيرٌ. فقال: «مُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . فقالت: إنَّه لا يَجِدُ. فَقَالَ: «أَنَا أُعِينُهُ» . وقالت هي: أَنَا أُعِينُه. فَقَالَ: «أَحْسَنْتِ» . رواه بان حبان.
وفي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَ عَنْهُ - أي كفَّر عنه - رَسُولُ اللهِ.
قوله: {مِنْقَبْلِأَنْيَتَمَاسَّا} .
لا يَجُوزُ لَهُ قُرْبُ زَوْجَتِهِ بِجِمَاعٍ قَبْلَ التَّكفير، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّالمُرَادَ بالمَسِّ الجِمَاعُ.
ذَكَرَ أَهْلُ السُّنَنِ أنَّرَجُلًا قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي ظَاهَرْتُ مِنَ امرأتي، فَوَقَعْتُ قَبْلَ أن أكفِّر. فقال: لا تَقْرَبْهَا حتَّى تفعلَ ما أَمَرَ اللهُ. التِّرمذيُّ.
و فيه مَسَائِلُ؛ أَنَّظِهَارَ الرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ مُحَرَّمٌ، وَفِيهِإِثْمٌ، وَمِنْهَا أنَّالظِّهَارَ لا يَقْتَصِرُ على الأم، بل يَدْخُلُ فيه المَحَارِمُ كذلك.
وَمِنْهَا أنَّمِلْكَ اليَمِينِ ليس كالزَّوْجَةِ وتحريمها يأخذ حُكْمَ تَحْرِيمِ ما أحلَّ اللهُ كفَّارةَ يمينٍ.
قوله: {ذَلِكُمْتُوعَظُونَبِهِوَاللَّهُبِمَاتَعْمَلُونَخَبِيرٌ} .
أي: رَادِعٌ لكم عن الظِّهار، فإذا عَلِمَ بالكفَّارَةِ ارْتَدَعَ. والوَعْظُ تَحْرِيكُ القَلْبِ للخير، وَيَشْمَلُ التَّرغيبَ والتَّرهيبَ.
قوله: {لِتُؤْمِنُوابِاللَّهِوَرَسُولِهِ} .
أي: لتطيعوا اللهَ ورسولَه.
ما وَقَعَ لهذه المرأة صار تشريعًا إلى يَوْمِ القيامة، وَسَمَّى السُّورَةَ باسْمِهَا؛ لأنَّها قدَّمت طَاعَةَ الله على كلِّ شَيْءٍ، وَاشْتَكَتْإلى اللهِ.
قوله: {وَتِلْكَحُدُودُاللَّهِوَلِلْكَافِرِينَعَذَابٌأَلِيمٌ} .
أي: ما بَيَّنَهُ اللهُ مِنْ أحْكَامِ الظِّهَارِ فلا تتجاوزوها، وللجاحدين بها عَذَابٌ مُوجِعٌ.
فتضمَّنت السُّورةُأَحْكَامًا وأُمُورًا:
-أوَّلًا: بَيَّنَ اللهُ حُكْمَ الظِّهَارِ، وأنَّه مُنْكَرٌ مِنَ القول وزُورٌ؛ وهو أَنْيُشَبِّهَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِأَمَه، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ مَحَارِمِهِ، وهو نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ طلاق الجاهليَّة، ثمَّ بيَّن اللهُ المَخْرَجَ والكفَّارة لِمَنْأَرَادَ أن يرجع.
ومنها إِبْطَالُ ما كان عليه الجاهليُّأنَّ الظِّهَارَ طَلاقٌ، ومنها أنَّالظِّهَارَ حَرَامٌ، ولا يجوز الإقدامُ عليه، ومنها أنَّالكفَّارةَ لا تجب بِنَفْسِ الظِّهَارِ، وإنَّمَا يجب بالعَوْدُ.
وَمِنْهَا أنَّمَنْ عَجَزَ عن الكفَّارَةِ لم تَسْقُطْ عَنْهُ؛ فإنَّ النَّبيَّأَعَانَأوسًا. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلى سُقُوطِهَا بالعَجْزِ.
وَمِنْهَا أنَّه لا يجوز الوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ. واخْتُلِفَ في المباشَرةِ دُونَ الفَرْجِ. قَوْلانِ.
ومنها الوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ الإطعام جَائِزٌ؛ لأنَّ اللهَ قَيَّدَ الوَطْءَ بالتَّكفير في العتق والصِّيام.
ومنها أَنَّهُأَطْلَقَإِطْعَامَ المساكين، ولم يُقَيِّدْهُ بِقَدْرٍ، ولابُدَّ من استيفاء السِّتِّين، ولا يُجْزِئُهُ دَفْعُ الكفَّارة لِغَيْرِ المساكين.