فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 581

وأخيرًا الكفَّارَةُ لا تَسْقُطُ بالوَطْءِ قَبْلَ التَّكفير، ولا تتضاعف؛ فَعَلَيْهِ كفَّارةٌ وَاحِدَةٌ.

قوله: {إِنَّالَّذِينَيُحَادُّونَاللَّهَوَرَسُولَهُ} .

كلُّ مُبْغِضٍ للدِّين وَيَسْعَى في مُحَارَبَتِهِ فهو مُحَادٌّ لله وَرَسُولِهِ من الكفَّار والمنافقين.

هذه الآَيَةُ نَزَلَتْ بِشَارَةً لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين يَوْمَ الخَنْدَقِ، حينما تَكَالَبَتْ قُوَى الشَّرِّ، وأحاطوا بالمدينة، فَطَمْأَنَ اللهُ رَسُولَهُ والصَّحابة، وأنَّه لا خَوْفٌ عليهم، وأنَّ اللهَ كَابِتُأَعْدَائِهِمْ وَمُخْزِيهِمْ، وأنَّه جَاعِلٌ بَعْضَهُمْ غَنِيمَةً للمسلمين، و هو إِخْبَارٌ بالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

فقد تَوَاطَأَأَعْدَاءُ الله على مُحَارَبَةِ الإسلام، فَاهْتَمَّ لذلك الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون، وشمت الأعداءُ، فامتحن اللهُ بذلك الجَمِيعَ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، فَنَجَحَ أَهْلُ الإسلام، وَخَابَ أَهْلُ الكُفْرِ والنِّفاق، فَنَصَرَ اللهُ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ.

مع أنَّه لم يَحْصُلْ قِتَالٌ في المعركة، فأرسل اللهُ عليهم ريحًا وجنودًا لم تُرَ، ولمَّا رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا: هذا ما وَعَدَنَا اللهُ ورسولُه.

وإنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أَخْبَرَهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ: «إنَّ العَرَبَ سَتَرْمِيكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ» . وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، وكفى اللهُ المؤمنين القتالَ، وَأَنْزَلَ الَّذين ظاهروهم مِنْ صَيَاصِيهِمْ.

ففيها بِشَارَةٌ لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ اللهَ رَادٌّ كَيْدَ الأعداء في نُحُورِهِمْ.

المحادَّةُ هِيَ المُعَادَاةُ؛ فَمَنْ حَادَّ اللهَ فهو المَغْلُوبُ، فقد أَهْلَكَ اللهُأَبْرَهَةَ بِطَيْرٍ تَرْمِيهِمْ بِحَصَاةٍ.

هذه الآَيَةُ تَشْمَلُ كلَّ مَنْ خَرَجَ عن حدود الله؛ فيشاقُّون الله ورسولَه، فيعصون أَمْرَهُ، وينتهكون مَحَارِمَهُ، ويتعلَّلون بأنَّ الشَّريعةَ لا تَصْلُحُ.

قوله: {كُبِتُواكَمَاكُبِتَالَّذِينَمِنْقَبْلِهِمْ} .

الكَبْتُ هو الإذلالُ والخِزْيُ والانْدِحَارُ؛ فيعاملهم اللهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ، فَيُخْزِيهِمُ اللهُ كما أَخْزَى الأُمَمَ السَّابِقَةَ، وسلَّط اللهُ عليهم الذِّلَّةَ والإهانةَ والهزيمةَ.

فلو لم يَكُونُوا مَكْبُوتِينَ بالخوف والقَهْرِ والقَلَقِ، لَكَانُوا مَسْرُورِينَ.

كما حَصَلَ الغَلَبَةُ والخِزْيُ لِمَنْ قَبْلَهُمْ؛ سَوَاءٌ في بَدْرٍ أو الأمم السَّابقة.

وفيها أنَّمَنْ عَادَى الإسلامَ وَأَهْلَهُ مِنْأَعْدَاءِ الإسلام كفَّارٌ ومنافقون؛ فلا يَهْنَأُونَ بِعَيْشٍ، وَتَكْثُرُ عليهم المنغِّصاتُ والمكدِّراتُ.

وفي المقابل مَنْ تَمَسَّكَ بالشَّريعةِ وَجَدَ الرَّاحة والسَّعة والطُّمَأْنِينَةَ والبركة.

ولذلك مَنْ خَرَجَ عن شريعة الله وحدوده خَرَجَ من الدُّنيا بالكفر والنِّفاق والخزي والعذاب.

قوله: {وَقَدْأَنْزَلْنَاآَيَاتٍبَيِّنَاتٍ} .

أي: أَنْزَلَ اللهُ آَيَاتٍ وَحُجَجًا وَاضِحَةً تبيِّن ما أحلَّ الله، وما حَرَّمَ؛ فلم يُهْلِكِ اللهُ هؤلاء عن جَهْلٍ منهم، ولم يَأْخُذْهُمُ اللهُ على غِرَّةٍ.

قوله: {وَلِلْكَافِرِينَعَذَابٌمُهِينٌ} .

هؤلاء الكفَّارُ كانوا وَاقِفِينَ في وَجْهِ الدَّعْوَةِ، وَيَصُدُّونَ عن سبيل الله، لهم عذابٌ مُهِينٌ.

والعذابُ يَشْمَلُ ما يُؤْلِمُ من البَدَنِ والنَّفْسِ؛ فما كفروا إلاَّ تَكَبُّرًا وَعِنَادًا، فَحَصَلَ لهم الكَبْتُ في الدُّنيا، والعذابُ في الآخرة، والكفَّارُ والمنافقون متوعَّدون بالعذاب المهين في الدُّنيا والآخرة.

فكلُّ مَنْ كَفَرَ بالله وآياته وَرُسُلِهِ فهو في الدُّنيا في كَبْتٍ وَضِيقٍ وَخِزْيٍ، وإذا خرج من الدُّنْيَا فإلى نَارِ جَهَنَّمَ. والمؤمنُ يَخْرُجُ من الدُّنيا إلى الجنَّة.

فما حصدوا مِنْ مُحَادَّةِ الله ورسوله ومعاداتهما إلاَّ الشَّقَاءَ في الدُّنيا والآخرة.

قوله: {يَوْمَيَبْعَثُهُمُاللَّهُجَمِيعًافَيُنَبِّئُهُمْبِمَاعَمِلُوا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت