فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 581

متى يكون العذابُ في الآخرة؟

عندما يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ؛ فيجمع اللهُ الأوَّلين والآخرين في صَعِيدٍ وَاحِدٍ.

قوله: {فَيُنَبِّئُهُمْبِمَاعَمِلُوا} .

أي: يُخْبِرُهُمُ اللهُإِخْبَارَ فَضِيحَةٍ وَخِزْيٍ بما عَمِلُوا؛ فالمؤمنُ يُرْخِي عليه سَتْرَهُ، والكافرُ والفاجرُ يُفْضَحُأَمَامَ المَلأ.

قوله: {أَحْصَاهُاللَّهُ} .

الإحصاءُ يَأْتِي بمعنى الحفظ، ويأتي بمعنى الكتابة، ويأتي بمعنى العَدِّ.

والمقصودُ أنَّاللهَأَحْصَاعليهم في كتابهم وصحائفهم الَّتي يحاسبهم عليها.

هم لم يحفظوا، لكنَّ اللهَأَحْصَى أعمالَهم.

قوله: {وَنَسُوهُ} .

النِّسْيَانُ يأتي بمعنى الغَفْلَةِ والذُّهُولِ عمَّا كان يَعْلَمُهُ، ويأتي أيضًا بمعنى التَّرْكِ؛ فالنِّسْيَانُ الَّذي يُضَافُ إلى اللهِ فَهُوَ بِمَعْنَى التَّرْكِ؛ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ؛ أَيْ: تَرَكَهُمْ.

لَكِنِ المَقْصُودُ به هنا النِّسْيَانُ المعروفُ؛ وهو الغَفْلَةُ والذُّهُولُ عمَّا كان يعلمه.

قوله: {وَاللَّهُعَلَاكُلِّشَيْءٍشَهِيدٌ} .

أي: شَهَادَةَ العِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ. فاللهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْنَا، والملائكةُ تَكْتُبُ عَنَّا. فكلُّ ما نَعْمَلُهُ اللهُ يُشَاهِدُهُ وَيَرَاهُأَيْنَمَا كُنَّا؛ فاللهُ شَاهِدٌ عَلَيْنَا وعلى ما نَعْمَلُهُ.

فاللهُ مُطَّلِعٌ على أَعْمَالِ العِبَادِ؛ فَفِيهِ بِشَارَةٌ للمؤمن؛ لأنَّه يعمل العملَ لله، واللهُ يُثِيبُهُ عَلَيْهِ.

وفيها تَخْوِيفٌ للكافر والفاجر؛ فاللهُ مُطَّلِعٌ على عَمَلِهِ؛ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورَ.

قوله: {أَلَمْتَرَأَنَّاللَّهَيَعْلَمُمَافِيالسَّمَوَاتِوَمَافِيالْأَرْضِمَايَكُونُمِنْنَجْوَاثَلَاثَةٍإِلَّاهُوَرَابِعُهُمْوَلَاخَمْسَةٍإِلَّاهُوَسَادِسُهُمْ} .

{أَلَمْ تَرَ} الرُّؤْيَةُ هُنَا عِلْمِيَّةٌ؛ أَلَمْ تَعْلَمْ بِقَلْبِكَ؛ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وَهِيَ البَصِيرَةُ.

قال ابنُ عبَّاسٍ: «اللهُ على العرش، وَمَعَهُمْ بِعِلْمِهِ» .

قال الإمامُ أَحْمَدُ: «افْتَتَحَ اللهُ هذه الآيَةَ بِالعِلْمِ، وَاخْتَتَمَهَا بالعِلْمِ؛ فالمرادُ بالمَعِيَّةِ كما قال الإِمَامُ أَحْمَدُ مَعِيَّةُ العِلْمِ، لا مَعِيَّةُ المُخَالَطَةِ لِخَلْقِهِ» .

وهذا من التَّفسير بالسِّياق، وهو من أَهَمِّ التَّفسيرات عند السَّلَفِ.

قال ابْنُ عَبَّاسٍ: «هُوَ على العَرْشِ، وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ» .

قال ابنُ كَثِيرٍ: «حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الإِجْمَاعَ أنَّالمُرَادَ بهذه الآَيَةِ مَعِيَّةُ العِلْمِ» .

قوله: {وَلَاأَدْنَامِنْذَلِكَوَلَاأَكْثَرَإِلَّاهُوَمَعَهُمْأَيْنَمَاكَانُوا} .

هذه هي المَعِيَّةُ العامَّةُ، وَتَشْمَلُ الجَمِيعَ الكفَّارَ والمؤمنين.

فاللهُ مَعَ خَلْقِهِ بِعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ واطِّلاعِهِ على جَمِيعِأَحْوَالِ خَلْقِهِ، وليست مَعِيَّةً ذَاتِيَّةً بأنَّ اللهَ حالٌّ في كلِّ مَكَانٍ، أَوْ حَالٌّ في خَلْقِهِ.

إنَّما هو مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ؛ فَعِلْمُهُ وإحَاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ فلا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْأَحْوَالِ عِبَادِهِ دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا.

لهذا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ المَعِيَّةِ العامَّة والخاصَّة بِبَعْضِ الصِّفَاتِ، ولا يكون تفسيرًا مُطَابقًا لكلِّ ما اشتملت عليه المَعِيَّةُ.

العبَّاسُ عمُّ النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا طَلَبَ منه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْيَفْدِيَ نَفْسَهُ، وابْنَ أَخِيهِ عَقِيلَابْنَ أَبِي طَالِبٍ، فقال العبَّاسُ: فإنَّه ليس لي مَالٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت