فهرس الكتاب
فقال الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم: «فَأَيْنَ المَالُ الَّذِي وَضَعْتَ بِمَكَّةَ حِينَ خَرَجْتَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ لَيْسَ مَعَكُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قُلْتَ لَهَا إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللهِ كَذَا» .
قال العبَّاسُ: والَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهَا، وَإِنِّي لأعلم أنَّك رسولُ الله. رواه أحمد و الهيثمي في الزوائد.
وَخَرَجَ النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وَثَلاثَةُ نَفَرٍ من الكفَّار يتناجون، فلمَّا وَقَفَ عليهم قال: ماذا كنتم تقولون؟ فغيَّروا الحديثَ، فقال: «بَلْ قُلْتَ أَنْتَ كَذَا وَكَذَا، وَقُلْتَ أَنْتَ كَذَا وَكَذَا» . فَأَطْلَعَهُ اللهُ على حديثهم. وغيرُها كَثِيرٌ.
قوله: {مَايَكُونُمِنْنَجْوَاثَلَاثَةٍإِلَّاهُوَرَابِعُهُمْوَلَاخَمْسَةٍإِلَّاهُوَسَادِسُهُمْ} .
النَّجْوَى هي السِّرُّ؛ فالمجالسُ الَّتي يتناجى فيها الاثنان والثَّلاثة والأربعة والخمسة وما زاد وما نقص فالله معهم بعلمه وإحاطته وَقُدْرَتِهِ، وهو - جلَّ جَلَالُهُ - مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ مُنَزَّهٌ عن مخالطة خَلْقِهِ.
وبدأ بالثَّلاثةِ. قيل: لأنَّها وَتْرٌ واللهُ يُحِبُّ الوَتْرَ. وقيل: لأنَّه إذا حصل هناك خِلافٌ فالأحسنُ أن يكونوا وترًا؛ حتَّى إذا احتيج للتَّرجيح ما يكون فيها تساوٍ.
قوله: {وَلَاأَدْنَامِنْذَلِكَوَلَاأَكْثَرَإِلَّاهُوَمَعَهُمْأَيْنَمَاكَانُوا} .
إحاطتُه- سبحانه - بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَيَسْتَوِي عنده القَلِيلُ والكَثِيرُ؛ فَعِلْمُهُ وإحاطتُه بكلِّ شَيْءٍ؛ فلا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الأصواتُ ولا اللُّغَاتُ، ولا يَشْتَبِهُ عليه كَثْرَةُ الكلام، وَلا كَثْرَةُ اللَّغَطِ.
قوله: {إِلَّاهُوَمَعَهُمْ} .
أي: مَعِيَّةَ عِلْمٍ وَإِحَاطَةٍ وَإِحْصَاءٍ. والمعيَّةُ على قِسْمَيْنِ:
-القسمُ الأوَّلُ: مَعِيَّةٌ عَامَّةٌ لجميع خَلْقِهِ كلِّهم بَرِّهِم وَفَاجِرِهِمْ، كما في آَيَةِ الحَدِيدِ والمُجَادَلَةِ؛ فهو مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ وإحاطته واطِّلاعِهِ، لا بِذَاتِهِ؛ فهو مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ، وَبَائِنٌ عن مَخْلُوقَاتِهِ.
ومن قال إنَّه مع خَلْقِهِ بِذَاتِهِ فَهُوَ ضَالٌّ؛ لأنَّ اللهَ لا يُحِيطُ به شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ لِكِبَرِهِ وَعِظَمِهِ؛ فهو الكَبِيرُ المتعال.
فاللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ؛ لَوْ عَلِمَ هَؤُلاءِ عَظَمَةَ الله، لَمَا تَجَرَّؤوا على قَوْلِ مِثْلِ هذا القَوْلِ؛ أنَّهُ حَالٌّ في مخلوقاته، واللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ.
عظمة المخلوقات العلويَّة وتباعدُ ما بين أجرامها يَدُلُّ على عَظَمَةِ خَالِقِهَا؛ فالسَّمَاوَاتُ سَبْعٌ طِبَاقٌ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، مَسَافَةُ ارْتِفَاعِهَا عن الأرض مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وبين كلِّ سَمَاءٍ والَّتي تَلِيهَا مَسَافَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
وَسُمْكُ كلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَفَوْقَ السَّماء السَّابعة بَحْرٌ وَعُمْقٌ؛ البَحْرُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَفَوْقَ البحر الكُرْسِيُّ، والكرسيُّ موضعُ القَدَمَيْنِ، وفوق الكرسيِّ العرشُ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آَدَمَ.
وملخَّصُها السَّمَاوات السَّبْعُ نسبتُها للكرسيِّ كَسَبْعَةِ دَرَاهِمَ في تِرْسٍ - أي صَحْنٍ - والكُرْسِيُّ بالنِّسْبَةِ للعرش كَحَلْقَةِ حَدِيدٍأُلْقِيَتْ في فَلاةٍ، واللهُ مُسْتَوٍ عَلَى العَرْشِ، والعرشُ لا يقدَّر بقدرٍ.
واللهُ أَعْظَمُ عَظِيمٍ، واللهُأَكْبَرُ مِنْ كلِّ شَيْءٍ، وهو الظَّاهرُ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ.
«يَا عَدِيَّ بْنِ حَاتِمٍ مَا يَفِرُكَ؟ أَيَفِرُكَ أَنْ يُقَالَ اللهُأَكْبَرُ؟ فَهَلْ شَيْءٌأَكْبَرُ مِنَ اللهِ؟» . رواه ابن حبان.
واللهُ لا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ؛ فَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ؛ فاللهُ وَاسِعٌ كَبِيرٌ، وَلَوْ عَلِمَ العبادُ عَظَمَةَ اللهِ، لَمَا قالوا: إنَّهُ حَالٌّ في مخلوقاته؛ الأَرْضُ قَبْضَتُهُ، والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.
-القسمُ الثَّاني: وَمَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ مع أوليائه المؤمنين؛ فهو مع المؤمن بِحِفْظِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ.
وما الفائدة؟