فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 581

إذا عَلِمَ العَبْدُ بِمَعِيَّةِ الله، وأنَّه مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ ويرى عَمَلَهُ، اسْتَحْضَرَ مُرَاقَبَةَ اللهِ وَمَعِيَّةً لَهُ في كلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَاسْتَشْعَرَأنَّه إذا قال قولًا سَمِعَهُ، وإذا عَمِلَ عَمَلًا يَرَاهُ، وإذا أَسَرَّ سَرِيرَةً اطَّلَعَ عليه، فَيَطْمَئِنَّ وَيَرْضَى، ويؤدِّيَ العمل بإخلاصٍ، وتحصل له المراقبةُ والزُّهدُ في الدُّنيا وعدمُ الغَفْلَةِ عن الآخرة.

والمؤمنُ إذا وُفِّقَ للإيمان بِصِفَةِ العِلْمِ، اسْتَحْضَرَ أنَّاللهَ معه ويراه وقادرٌ عليه وَيَعْلَمُ سِرَّهُ وعلانِيَتَهُ، وَارْتَقَى إلى دَرَجَةِ الإحسان العالية.

وفيها وَعِيدٌ للكفَّار والفجَّار بأنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليه، ولا يَخْفَى عليه شَيْءٌ مِنْأحوالهم؛ سَوَاءٌ كانوا في البَرِّ أو البَحْرِ أو تَحْتَأطباق الثَّرى؛ فإنَّه معهم بعلمه وقدرته.

قوله: {ثُمَّيُنَبِّئُهُمْبِمَاعَمِلُوايَوْمَالْقِيَامَةِ} .

التَّنْبِئَةُ تَكُونُ يوم القيامة؛ فَسِيَاقُ الآيات فيه تَخْوِيفٌ بِعِلْمِ الله بحالهم، وَأَنْ سَوْفَ يُجَازِيهِم عليه.

ولك أن تتصوَّر حينما يحشر اللهُ البَشَرَ جميعًا مِنْ لَدُنْآَدَمَ إلى آَخِرِالبَشَرِ، وَيُنَبِّئُ كلَّ مَخْلُوقٍ بِمَا عَمِلَ، فالمؤمنُ يُرْخِي عَلَيْهِ سَتْرَهُ، ويقرِّره بذنوبه، ويغفرها له، والكافرُ والفاجرُ يَفْضَحُهُ اللهُ على رءوسِ الخَلائِقِ كلِّهم.

قوله: {إِنَّاللَّهَبِكُلِّشَيْءٍعَلِيمٌ} .

خَتَمَ الآَيَةَ بِبَيَانِ سَعَةِ عِلْمِ الله، وأنَّه بكلِّ شَيْءٍ عليم؛ فلا يَخْفَى عليه شَيْءٌ، فلا يكون في الكون كلِّه حَرَكَةٌ، ولا سُكُونٌ، ولا حَبَّةٌ ولا وَرَقَةٌ ولا رَطْبٌ ولا يَابِسٌ ولا ذَرَّةٌ إلاَّ واللهُ قد أَحَاطَ بها عِلْمًا.

فاللهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ العِلْمِ؛ فهو عَلِيمٌ، والإيمانُ بهذه الصِّفَةِ واجبٌ، وَيُكْسِبُ الإيمانَ بها؛ اليَقِينَ، والرِّضا.

ملخَّصُ الآية معيَّةُ الله. المَعِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ؛ مَعِيَّةٍ عامَّةٍ؛ وهي أنَّاللهَ مع جَمِيعِ خَلْقِهِ وليس بذاته؛ إنَّما معهم بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ، وقُدْرَتِهِ.

وهذا هو المقصودُ بالآية، ثمَّ خصَّ عِلْمَهُ بالمُنَاجَاةِ والنَّجْوَى. هي المُسَارَّةُ بكلامٍ خَفِيٍّ، وقد تكون في خَيْرٍ، وقد تكون في شَرٍّ، فَنُهُوا عن النَّجْوَى حتَّى يعلمَ النَّاسُ أنَّاللهَ مطَّلعٌ عليهم، فيتَّقونه في كلِّ ما يتسارُّون به.

وغالبًا المناجاةُ تَكُونُ في الشَّرِّ؛ لِعِلْمِهِمْ باطِّلاعِهِ عليهم، ثمَّ التَّنبئة بأقوالهم وأعمالهم يوم القيامة، وَخُتِمَتِ الآَيَةُ بالعلم، وأنَّ اللهَ بكلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ يَعْلَمُ ما كَانَ وَمَا يكون، فأخبرنا أنَّهُ مطَّلعٌ علينا، وسوف يُنْبِئُنَا بما عَمِلْنَا يَوْمَ القيامة.

هذه الآَيَةُ العَظِيمَةُ ما ذَكَرَ اللهُ علمه واطِّلاعَه على خَلْقِهِ؛ إلاَّ أنَّهناك شَيْئًا عظيمًا، وأنَّه لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَى النَّاس؛ فكلُّ من يتناجى فَلْيَعْلَمْ أنَّاللهَ مُطَّلِعٌ عليه، وَصَدَقَ اللهُ؛ {واعلموا أنَّاللهَ يَعْلَمُ ما في أنفسِكم فاحذروه} .

قوله: {أَلَمْتَرَإِلَاالَّذِينَنُهُواعَنِالنَّجْوَاثُمَّيَعُودُونَلِمَانُهُواعَنْهُ} .

حقيقةُ النَّجْوَى هي المُسَارَّةُ بِكَلامٍ على وَجْهٍ خَفِيٍّ، وهذه الصِّفَةُ تناجيأَعْدَاءِ أهل الإيمان؛ له أَشْكَالٌ كَثِيرَةٌ، والغرضُ منها إحْزَانُ وَتَخْوِيفُ أَهْلِ الإيمان.

فهذه الآَيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ؛ فكانوا إذا جَلَسَ بعضُهم إلى بَعْضٍ، وَمَرَّ بهم أَحَدٌ من المسلمين، تناجوا حتَّى يظنَّ المسلمُأنَّهم يقصدونه، ويتكلَّموا فيه سرًّا فيما بينهم بالغَمْزِ والإشارة، فيؤذوا المُسْلِمَ بذلك، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنهى اليهودَ عن ذلك، فلم يَنْتَهُوا، بل يعودون لما قالوا، فأنزل اللهُ فيه هذه الآيَةَ.

فقيل: إنَّهَا نَزَلَتْ في أهل الكتاب. وقيل: نَزَلَتْ في أهل النِّفاق والنَّجوى. هِيَ الإِسْرَارُ بالكلام على وَجْهٍ خَفِيٍّ، فإن كانت إِثْمًا على نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فهي محرَّمةٌ؛ لأنَّها اشتملت على إِثْمٍ وَعُدْوَانٍ وَمَعْصِيَةٍ.

وهذه الخصلةُ الأولى من سُوءِأَدَبِ اليهود مع المسلمين؛ فلم يَنْقَطِعْ شَرٌّهم عن المسلمين في المدينة رَغْمَ أنَّرَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَادَعَهُمْ لمَّا هاجر المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت