فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 581

والنَّجْوَى على قِسْمَيْنِ:

-القسمُ الأوَّلُ في الشَّرِّ. وهي المَقْصُودَةُ في هذه الآية، وحقيقتُها النَّهْيُ، وَطَلَبُ الكَفِّ عنها؛ لأنَّهم يتناجون في الإِثْمِ والعُدْوَانِ، كَمَا حَصَلَ مع التِّسْعَةِ رَهْطٍ مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ؛ تناجوا وتآمروا، وكان عددُهم تِسْعَةً، وَعَاشِرُهُمُ اللهُ بِعِلْمِهِ، فتآمروا على قَتْلِ صَالِحٍ؛ {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} .

كذلك رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ يتناجون في مُنْكَرٍ. مَنْ ثَالِثُهُمْ؟ اللهُ معهم بِعِلْمِهِ، والشَّيْطَانُ معهم بذاته.

كلُّ مَنْ يَتَنَاجَى ويتسارُّ بأمورٍ لا تُرْضِي اللهَ، اللهُ مُطَّلِعٌ عليهم، وهو معهم إذ يُبَيِّتُونَ مَالا يَرْضَى مِنَ القَوْلِ {وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمِلُونَ مُحِيطًا} .

والقسم الثَّاني: النَّجْوَى في الخَيْرِ؛ لأنَّ المُنَاجَاةَ تَكُونُ في الخَيْرِ وَتَكُونُ في الشَّرِّ، واللهُ - سبحانه - مُطَّلِعٌ على عِبَادِهِ؛ سَوَاءٌ كانوا في الخَيْرِ، أو كانوا في الشَّرِّ.

وأَعْظَمُ النَّجْوَى في الخير الصَّلاةُ؛ فَفِي الحَدِيثِ: «إِذَا قَامَأَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ» . رواه أحمد و ابن خزيمة و الحاكم.

وكذلك في الدُّعَاءِ: «أَقَرِيبٌ فَنُنَاجِيهِ أَوْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟» رواه الطبري و ابن أبي حاتم.

وقوله تعالى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} .

فهؤلاء يتناجون بالإثم والعُدْوَانِ وبما يُحْزِنُ المُسْلِمَ ويُسِيءُإليه؛ فاليهودُ لم يَنْقَطِعْ شَرُّهُمْ عن المسلمين؛ فهذه نَجْوَى مذمومةٌ إذا كان فيها إِثْمٌ وَعُدْوانٌ على الغير.

قوله: {ثُمَّيَعُودُونَلِمَانُهُواعَنْهُ} .

كَأَنَّهُمُ امْتَثَلُوا ثمَّ عادوا وَرَجَعُوا، أو كأنَّهم مستمرِّينَ ومُرِيدِينَ له.

وهذا خُلُقٌ سَيِّئٌ؛ التَّنَاجِي، وهو الإسرارُ خُفْيَةً.

قوله: {وَيَتَنَاجَوْنَبِالْإِثْمِ} .

المرادُ بالإثم ما يُسْتَحَقُّ عليه العُقُوبَةُ في الآخرة نَتِيجَةَ المُخَالَفَةِ.

قوله: {وَالْعُدْوَانِ} أي: ما تَعَدَّى ضَرَرُ المَعْصِيَةِ إلى الغَيْرِ.

قوله: {وَمَعْصِيَةِالرَّسُولِ} قد يَدْخُلُ فيها خُصُوصُأشياء أَمَرَ بها ولم يمتثلوا لها.

{وَإِذَاجَاءُوكَحَيَّوْكَبِمَالَمْيُحَيِّكَبِهِاللَّهُ} هذه الخَصْلَةُ الثَّانيةُ مِنْ سُوءِأَدَبِهِمْ مع الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلم يَسْلَمْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ شَرِّهِمْ، ولم يَسْلَمِ الصَّحَابَةُأيضًا مِنْ شَرِّهِمْ.

تَحِيَّةُ اللهِ هي «السَّلامُ عليكم» ، وهي الَّتي أَمَرَ اللهُ بها.

السَّلامُ أَفْضَلُ التَّحِيَّةِ؛ لأنَّ به الأَمْنَ والأَمَانَ والسَّلامَةَ؛ ففي الحديث: «أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» . رواه مسلم.

وإذا ألقى السَّلام معناه: عَلَيْكَ مِنِّي أنواعُ السَّلامة؛ عَلَيْكَ وَلَكَ في نَفْسِكَ وَفِي عِرْضِكَ وَفِيمَا تَسْتَحِقُّ؛ فلن تجد منِّي إلاَّ السَّلامَ.

فالسَّلامُ معناه السَّلامَةُ، وفيه مَعْنَى العهد والوَعْدِ، فإذا سلَّم ثمَّ اعتدى أو اغتاب فهو كَاذِبٌ في سَلامِهِ؛ لأنَّ السَّلامَ تَحِيَّةُ عَهْدٍ وَوَعْدٍ.

واليهودُ إذا جاءوا إلى النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - يحرِّفون التَّحيَّةَ استهزاءً وسخريةً، فيقولون إذا حَيَّوْهُ: السَّامُ عليكم. والسَّامُ هو المَوْتُ؛ تنقُّصًا وسُخْرِيَةً وبُغْضًا للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فَيَدْعُونَ عَلَيْهِ بالمَوْتِ.

ففي «البخاريِّ» عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ من اليهود على النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالوا: السَّامُ عليكم. قال: «وَعَلَيْكُمْ» .

فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» . قالت: أَوَلَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابَ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابَ لَهُمْ فِيَّ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت