فهرس الكتاب
أم المؤمنين عائشةُأَخَذَتْهَا الغَيْرَةُ، فنهاها وقال: «إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ» . ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - ما خَفِيَ عَنْهُ كلامُهم، لكنَّه - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -ينهي عن الفحش، و لم يكنفاحشًا، وينزَّه لسانُه عن الباطل.
وَيُؤْخَذُ من هذا كلِّه أنَّه قد نهانا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبدأ الكفَّار بالسَّلام؛ لأنَّهم لا يستحقُّون ذلك، وإذا سلَّموا علينا أن نقول: «وعليكم» ؛ لأنَّهم لا يؤمنون.
وقد يقولون قولًا سَيِّئًا ويتظاهرون بالسَّلام.
قوله: {وَيَقُولُونَفِيأَنْفُسِهِمْلَوْلَايُعَذِّبُنَااللَّهُبِمَانَقُولُحَسْبُهُمْجَهَنَّمُيَصْلَوْنَهَافَبِئْسَالْمَصِيرُ} .
هذا فِيهِ تَحَدٍّ، وأنَّ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا محمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - ليست بِحَقٍّ؛ «فلو كان نبيَّا حقًّا، لَعَذَّبَنَا اللهُ» . أي: «هلاَّ يُعَجِّلُ عُقُوبَتَنَا بذلك، لماذا لا يعاقبنا اللهُ ويعذِّبنا؟ فدلَّ على أنَّه ليس رسولًا؛ فلو كان رسولًا، لَعَذَّبَنَا اللهُ» .
فردَّ اللهُ عليهم: {حَسْبُهُمْجَهَنَّمُ} .
الحَسْبُ هو الكفاية. أي: يكفي قائلي ذلك تعذيبُهم في جهنَّم.
قوله: {يَاأَيُّهَاالَّذِينَآَمَنُواإِذَاتَنَاجَيْتُمْفَلَاتَتَنَاجَوْابِالْإِثْمِوَالْعُدْوَانِوَمَعْصِيَةِالرَّسُولِ} .
أوَّلُ هذه الآية فيها أَمْرٌ وَنَهْيٌ. هذا يشمل التَّناجي في حضرة المؤمنين وغيرهم.
ولذلك وجَّه الله الخطابَ للمؤمنين محذِّرًا لهم من مشابهة اليهود بالتَّناجي على طريقتهم بما يوغر الصُّدور ويوقع البغضاء؛ فلا يجوز لأحدٍ أن يتناجى مع أحدٍ بقصد إحزانه، ولا يجوز التَّناجي أمامه، ولو كان في المجلس غيره؛ لأنَّ ذلك يُحْزِنُهُ.
فالواجب ألاَّ تكون مناجاتُهم فيها إثمٌ أو عدوانٌ أو معصيةٌ للرَّسول.
-أنواع النجوى:
-الأولى: التَّناجي بالإثم والعدوان والغِيبَة والنَّميمة والمَكْرِ والخديعة؛ فهذه مع كونها محرَّمةً في ذاتها لكنه خَصَّ النَّهيَ عن التَّناجي بها؛ لأنَّ التَّناجيَ يقوم على السِّرِّ، والسِّرُّأَصْلُ الشَّرِّ.
-الحالة الثَّانيةُ: التَّناجي مِنْ أَجْلِإِحْزَانِ أَحَدٍ من المؤمنين. وذلك بالتَّآَمُرِ عليهم، وَقَصْدِ عَيْبِهِمْ، وأحيانًا يُنَاجِي أَحَدًا من أجل أن يُشْعِرَ من يكرهه بأنَّه يطعن فيه.
-الحالة الثَّالثة: أن يتناجى اثنان عند وُجُودِ ثَالِثٍ. فلا يجوز التَّناجي إلاَّ بإذنه، وهذه من الآداب الَّتي رعاها الإسلامُ في المجالس: أن لا يتناجى اثنان دون الثَّالث.
وذلك حفظًا لسلامة الصُّدور؛ ففي «الصَّحيحين» عن ابْنِ عُمَرَ مرفوعًا: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآَخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُيُحْزِنُهُ» .
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، إلا بِإِذْنِهِ، فإن ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» .رواه أَحْمَدُ.
ويدخل فيها التَّحدُّثُ مع إنسانٍ بِلُغَةٍ لا يفهمها.
وَيُسْتَثْنَى منه إذا أَذِنَ لهم؛ جاز إذا كان العددُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، فيجوز أن يتناجى اثْنَانِ دُونَ البَقِيَّةِ إذا كانت هناك حَاجَةٌ أو مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ على مَفْسَدَةِ التَّناجي.
قوله: {وَتَنَاجَوْابِالْبِرِّوَالتَّقْوَاوَاتَّقُوااللَّهَالَّذِيإِلَيْهِتُحْشَرُونَ} .
أمرهم أن تكون مناجاتُهم بالبرِّ والتَّقوى. والبرُّ هو الخَيْرُ الكثيرُ، وهو اسْمٌ جَامِعٌ لكلِّ ما يُقَرِّبُ مِنَ الله.
وفي سورة البقرة: {ولَكِنَّ البِرَّ مَنْآمَنَ بِاللهِ ... } الآية.
فَاشْتَمَلَتْ آَيَةُ البِرِّ على الاعتقادات، وعلى الأقوال، وعلى الأعمال، وعلى العبادات، وهذا يَشْمَلُ الدِّينَ كلَّه.
فالبرُّ هو الدِّينُ المَأْمُورُ به.