فهرس الكتاب
فكلُّ عَقِيدَةٍ صالحةٍ بِرٌّ، وكلُّ قولٍ صَالِحٍ بِرٌّ، وكلُّ عَمَلٍ صالحٍ بِرٌّ، وكلُّ قُرْبَةٍ إلى الله بِرٌّ.
والتَّقوى أَمَرَ اللهُ النَّاسَ بها جميعًا، كما في صَدْرِ سُورَةِ الحجِّ، وَأَمَرَ بها أَهْلَ الإيمان؛ لأنَّهم فيها مَرَاتِبُ، ومن كان تَقِيًّا إذا طلب منه التَّقوى معناه أن يَثْبُتَ على التَّقوى وَيُلازِمَ مقتضياتِها.
وإذا خُوطِبَ بها عُمُومُ أَهْلِ الإيمان فالمرادُ فِعْلُ الأمر، وَتَرْكُ النَّهْيِ.
قوله: {وَاتَّقُوااللَّهَالَّذِيإِلَيْهِتُحْشَرُونَ} .
أي: في حَالِ اجْتِمَاعِكُمْ، وفي حال افتراقكم، وفي جميع أحوالكم، وذلك بفعل ما أَمَرَ اللهُ، واجتنابِ ما نَهَى عنه.
والمقصودُ بها هنا تَرْكُ المناجاة بالإثم والعدوان والمناجاة بالبرِّ والتَّقوى أو بما يباح؛ لأنَّ التَّنَاجِيَ مِنْ خِصَالِ اليَهُودِ وَأَهْلِ النِّفاق.
واتَّقوا اللهَ الَّذي يحاسبكم على أعمالكم، ومنها المُنَاجَاةُ السَّيِّئَةُ، واعلموا أنَّكم ملاقوه.
قوله: {إِنَّمَاالنَّجْوَامِنَالشَّيْطَانِلِيَحْزُنَالَّذِينَآَمَنُواوَلَيْسَبِضَارِّهِمْشَيْئًاإِلَّابِإِذْنِاللَّهِ} .
{إنَّما النَّجْوَى} هَذَا حَصْرٌ؛ أي: النَّجْوَى الَّتي فيها إِثْمٌ وَعُدْوَانٌ؛ أَيِ: النَّجْوَى السَّيِّئَةَ؛ فهي من الشَّيطان، وتزينه أوحى بها إليهم.
والغرض منها: «لِيَحْزُنَ المُؤْمِنَ» ، وَلَيْسَ بِمُضِرٍّ لهم.
قوله: {إِلَّابِإِذْنِاللَّهِ} أي: بِأَمْرِهِ وَمَشِيئَتِهِ. قضاء اللهُ وَقَدَرِهِ؛ فما قَدَّرَهُ واقعٌ، ومالم يُقَدِّرْهُ لا يقع.
فلا تخافوهم؛ فلن يَقَعَ شَيْءٌ في الكون إلاَّ بإذن الله. وقد يتضرَّر بشيءٍ فيحصل لهم خيرٌ عظيمٌ ويؤجر عليه، وقد يحصل له ضررٌ فيتسخَّط فيخسرَ.
قوله: {وَعَلَااللَّهِفَلْيَتَوَكَّلِالْمُؤْمِنُونَ} .
تَقْدِيمُ الجَارِّ والمَجْرُورِ {وعلى الله} تُفِيدُ الاخْتِصَاصَ؛ أي: على الله وَحْدَهُ يَكُونُ التَّوَكُّلُ، والتَّوَكُّلُ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بالله، وحقيقةُ التَّوَكُّلِ: هو اعتمادُ القَلْبِ على الله في جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ مع الأَخْذِ بالأسباب.
والواجبُ على المؤمن إذا رَأَى شَيْئًا أَوْ سَمِعَ ما يُحْزِنُهُ من الأقوال والأعمال أن يُعَظِّمَ التَّوكُّلَ على الله.
من توكَّل على اللهِ كَفَاهُ وَوَقَاهُ وَحَمَاهُ، والتَّوكُّلُ من أعظم أنواع العبادة.
فكلُّ أَمْرٍ يَحْزُنُكَ فإنَّك تُدَاوِيهِ، وَتَدْفَعُهُ بِحُسْنِ التَّوكُّلِ على اللهِ، وَصِدْقِ التَّوكُّلِ عليه، وحُسْنِ الظَّنِّ به.
وَمِنْ هُنَا نُوحٌ وَهُودٌ - عليهما السَّلامُ - لو لم يَكُنْ عِنْدَهُمْ يَقِينٌ بالله أنَّاللهَ كَافِيهِمْ وَمَانِعُهُمْ، وأنَّه لن يحقِّق لهم مرادَهم ما تحدَّوا قومهم، وهل يقول هود: {فَكِيدُونِي جَمَيعًا} ؟
وكلَّما قَوِيَ الإيمانُ؛ قَوِيَ التَّوكُّلُ على الله والاعتمادُ عليه، والتَّوكُّلُ لا يَصْلُحُ أن يكون لِمَخْلُوقٍ؛ لأنَّه شِرْكٌ على الصَّحيح.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ؛ فَمَنْ نَظَرَإلى أنَّالتَّوكُّلَ هو الاعتمادُ والتَّفويضُ الظَّاهريُّ، أجازه، وَمَنْ نَظَرَإلى أنَّالتَّوَكُّلَ باعتبار أنَّه عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، حَرَّمَهُ، وهو الأظهرُ.
-لمَّا بَيَّنَ اللهُأَحْكَامَ النَّجْوَى والتَّنَاجِي ومنها ما يكون في الخير ومنها ما يكون في الشَّرِّ، ذَكَرَ بعدها آدابَ المجالسة.
قوله: {يَاأَيُّهَاالَّذِينَآَمَنُواإِذَاقِيلَلَكُمْتَفَسَّحُوافِيالْمَجَالِسِفَافْسَحُوايَفْسَحِاللَّهُلَكُمْ} أَرْشَدَ اللهُ المؤمنين إلى أَدَبٍ رَفِيعٍ، وهو التَّفسُّحُ.
وَحَثَّ على هذا الخُلُقِ الجميل بِأَمْرَيْنِ؛ النِّدَاءِ بالإيمان، وهذا مِنْآَثَارِهِ.
والثَّاني: بالجزاء. أَيِ: الجزاء لِمَنْأَفْسَحَ أَنْيُفْسِحَ اللهُ له. وهو شَامِلٌ أَنْيُفْسَحَ له في دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
قوله: {تَفَسَّحُوا} أي: توسَّعوا.