فهرس الكتاب
والكمالُ فيه أن يفسح له حينما يقال له: أَفْسِحْ لي. أو: توسَّع لي مكانًا. فالأكملُ أن يَسْتَجِيبَ فَوْرًا؛ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِه. والكمالُ في ذلك.
قوله: {فافسحوا} أي: فوسِّعوا.
قوله: {يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ} الجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ أي: مَنْأَفْسَحَ لِأَخِيهِ وَوَسَّعَ لَهُ، وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ في المَكَانِ وَالصَّدْرِ والرِّزْقِ؛ لأنَّ هذا التَّوَسُّعَ يؤدِّي إلى ازْدِيَادِ المحبَّة والمودَّة بينكم.
سياقُ الآية في مجالس العلم؛ فَبِقَدْرِ ما تُفْسِحُ لإخوانك في مجلس العلم وتساعدهم، يُفْسِحُ اللهُ لَكَ.
ما أكرم الله! بِحَرَكَةٍ يَسِيرَةٍ تَتَحَرَّكُهَا وَأَنْتَ قَاعِدٌ لِتُقْعِدَ أَخَاكَ، يُفْسَحُ لَكَ.
-سَبَبُ نُزُولِهَا:
كان - صلَّى اللهُ عليه وَآَلِهِ وَسَلَّمَ - يُكَرِّمُ أَهْلَ بَدْرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وفيهم ثَابِتُ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْسبَقُوا في المجلس، فقاموا حِيَالَ النَّبيِّ- صلَّى اللهُ عليه وآَلِهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاتُه.
فردَّ عليهم النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ سلَّموا على القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ، فردُّوا عليهم، فقاموا على أَرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أن يُوَسَّعَ لهم، فلم يُفْسِحُوا لهم، فَشَقَّ ذلك على النَّبيِّ- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ - فقال لمن حَوْلَهُ من المهاجرين والأنصار من غير أهل بَدْرٍ: «قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ» . بِقَدْرِ النَّفَرِ الَّذِينَ كانوا بين يَدَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
فَشَقَّ ذلك على مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَعُرِفَ الكَرَاهِيَةُ في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّصَاحِبَكُمْ يَعْدِلُ بين النَّاس؟ فو الله ما عَدَلَ على هؤلاء؛ إنَّقَوْمًا أخذوا مجالسَهم، وأحبُّوا القربَ من نبيِّهم، فأقامهم، وأجلس مَنْ أَبْطَأَ عنهم مَقَامَهُمْ. فنزلت الآية.
في هذه الآية تَوْجِيهٌ مِنَ الله، وتأديبٌ، وتعليمٌ لعباده المؤمنين، ومراعاةُ ما يحبُّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
قال قتادةُ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في مَجَالِسِ الذِّكر؛ وذلك أنَّهم إذا رأوا أَحَدَهُمْ مُقْبِلًا، ضَنُّوا بمجالسهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَمَرَهُمُ اللهُ أن يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
فأمر المؤمنين بالتَّفسُّح في المجالس، ولاسيَّما مجالسُ العِلْمِ؛ فقد كان الصَّحابةُ يجتمعون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلٌّ منهم يَحْرِصُ على قُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لحبِّهم للخير، وحبِّهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومجالسته، فَأَمَرَهُمُ اللهُ أن يُفْسِحُوا لإخوانهم القادمين.
قال العلماءُ: «الصَّحيحُ أنَّهذه الآَيَةَ عامَّةٌ في كلِّ مَجْلِسٍ اجتمع فيه المسلمون للخير أيَّ اجْتِمَاعٍ كَانَ» .
فينبغي أن يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، ونهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقام الرَّجُلُ لِيُجْلَسَ مَكَانَهُ؛ لأنَّه يَتَأَثَّرُ بهذا.
ففي هذه الآية فَوَائِدُ منها حِفْظُ حقِّ الدَّاخلين بالجلوس، وفيها بَيَانُ فَضْلِ التَّوْسِعَةِ لهم، وإيوائهم.
قال عمر: ثَلاثٌ يُصْفِينَ لك وُدَّ أخيك؛ أن تَبْدَأَهُ بالسَّلام، وأن تُنَادِيَهُ بأحبِّ الأسماء إليه، وأن تُفْسِحَ له في المجلس.
قوله: {وَإِذَاقِيلَانْشُزُوافَانْشُزُوايَرْفَعِاللَّهُالَّذِينَآَمَنُوامِنْكُمْوَالَّذِينَأُوتُواالْعِلْمَدَرَجَاتٍوَاللَّهُبِمَاتَعْمَلُونَخَبِيرٌ} .
النَّشْزُ هو القيامُ والنُّهوضُ للتَّوْسِعَةِ للمُقْبِلِينَ أو الدَّاخلين فأرشدهم- سبحانه- إلى نَوْعٍ آَخَرَ مِنَ الأَدَبِ السَّامي.
قوله: {يَرْفَعِاللَّهُ} .
لمَّا ظنَّ أُنَاسٌ بِمَجْلِسِهِمْ في مجلس الذِّكر بيَّن اللهُ أنَّالرِّفْعَةَ ليست بتوسُّطِكَ المَجَالِس، إنَّما هي بالإيمان والعلم، فَاحْرِصْ عليهما؛ فإنَّ اللهَ يُثِيبُ وَيَرْفَعُ درجاتِهم في الجنَّة بالإيمان وبالعلم.
وهذا فيه تَعْظِيمٌ لأَهْلِ العلم والإيمان؛ فكلُّ مُؤْمِنٍ مَوْعُودٌ بالرِّفْعَةِ، وخصَّ أَهْلَ العلم مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الإيمان؛ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ؛ لِمَا وَقَرَ في قلوبهم من العلم النَّافع، ولأنَّهم يستحقُّون ذلك.