أمَّا تسخيرُ المعادن له؛ {وَأَسَلْنَالَهُعَيْنَالْقِطْرِ} وهي النُّحَاسُ. وكانت باليَمَنِ، أَنْبَعَهَا اللهُ له؛ فَقَدْأَسَالَ اللهُ له النُّحَاسَ، وَأَلَانَ لِدَاوُودَ الحَدِيدَ، وأعطاه مَوْهِبَةَ الحُكْمِ وَالقَضَاءِ؛ إلى جانب كلِّ هذه النِعَم الَّتي أعطاها اللهُ له مَوْهِبَةُ القدرة على الحكم والقضاء؛ {وَآتَاهُاللَّهُالْمُلْكَوَالْحِكْمَةَ} .
فالعلمُ أَعْظَمُ النِّعَمِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} ؛ لأنَّ هذا الدِّينَ لن ينتصر إلاَّ بأمرين: اجتماع الإيمان والعلم. يجب أن يكتملا لِتَنْتَصِرَ هذه الأُمَّةُ.
وَجَعَلَ جُنُودَهُ وَجُيُوشَهُ الثَّلاثَةَ؛ فَجَيْشُهُ جميعُه من الجنِّ والإنس والطَّير؛ فالجِنُّ والإنسُ يَسِيرُونَ مَعَهُ، والطَّيْرُ سَائِرَةٌ معه تُظِلُّهُ بأجنحتها، وعلى كلٍّ من هذه الجيوش الثَّلاثةِ وَزَعَةٌ؛ أي: نُقَبَاءَ يردُّون أوَّلَهُ على آَخِرِهِ، فلا يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ عن موضعه الَّذي يسير فيه، ولا يتأخَّر عنه.
وعلَّمه منطق الطير: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} فَكَانَ يَعْرِفُ ما يتخاطب به الطُّيُورُ بِلُغَاتِهَا، ويعبِّر للنَّاس عن مقاصدها وإرادتها.
وفي قصَّة النَّمْلَةِ والهدهد مِثَالٌ مَحْسُوسٌ ذُكِرَ في القرآن؛ وتبسَّم ضاحكًا من قول النَّملة وَعَرَفَ كَلامَهَا.
وَذَكَرَ اللهُ في القرآن ما كان مِنْ أَمْرِ سليمان والهدهد؛ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أم كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} .
فتوعَّده حينما فَقَدَهُ بالذَّبح أو العذاب، أوليأتينَّ بِحُجَّةٍ تُنْجِيهِ من هذه الوَرْطَةِ.
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: فغاب الهدهدُ غَيْبَةً ليست بطويلةٍ، ثمَّ قَدِمَ منها، فَأَخْبَرَتْهُ الطُّيورُ بالتَّهْدِيدِ فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم. فَقَالَ: جَاءَ الفَرَجُ.
فَصَدَمَ سليمانَ بقوله: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أَيِ: اطَّلعتُ على ما لم تطَّلع عليه. لِيَشْغَلَهُ عن التَّهديد.
{وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} ثمَّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ بالله، وعبادتَهم الشَّمسَ مِنْ دُونِ الله، وإضلالَ الشَّيْطَانِ لهم، وصدَّه إيَّاهم عن عبادة الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، الَّذي يخرج الخَبْءَ في السَّماوات والأرض، ويعلم ما يخفون وما يعلنون. أي: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ معه سليمانُ - عليه السَّلامُ - كتابًَا يتضمَّن دعوتَه لهم إلى طاعة الله، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ.
وَمُخْتَصَرُ الرِّسالة في كلامٍ مُوجَزٍ ومُفِيدٍ: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} .
فكان رأيُها: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} . أرادت أن تُصَانِعَ عن نفسِها وَأَهْلِ مملكتها، بِهَدِيَّةٍ تُرْسِلُهَا.
ولكنَّ سليمانَ - عليه السَّلامُ - لا يقبل منهم صَرْفًا ولا عَدْلًا؛ لأنَّهم كافرون، ولا يَقْبَلُ إلاَّ الإسلامَ.
طَلَبَ سُلَيْمَانُ من الجانِّ أن يُحْضِرُوا له عَرْشَ بلقيس، وهو سَرِيرُ مملكتها الَّذي تجلس عليه.
فَلَمَّا رَأَىهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طَرْفَةِ عَيْنٍ قَالَ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} ثمَّ أَمَرَ سُلَيْمَانُ - عليه السَّلامُ - أن يغيَّر حُلِيُّ هذا العَرْشِ، فَلَمَّا جَاءتْ {قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} .
وَأَمَرَ سُلَيْمَانُ بِبِنَاءِ صَرْحٍ من زُجَاجٍ، وجعل الماءَ يَمْشِي من تَحْتِهِ، {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
-كرسيُّ المُلْكِ الخاصُّ بسليمان:
{وَلَقَدْفَتَنَّاسُلَيْمَانَوَأَلْقَيْنَاعَلَاكُرْسِيِّهِجَسَدًاثُمَّأَنَابَ} .
قال ابْنُ كَثِيرٍ: «هناك آثارٌ كَثِيرَةٌ عن جماعةٍ من السَّلف في تفسير الجَسَدِ على كرسيِّ سليمانَ، وَأَكْثَرُهَا أو كلُّها مُتَلَقَّاةٌ من الإسرائيليَّات، وفي كَثِيرٍ منها نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وقد نَبَّهْنَا على ذلك في كتابنا «التَّفسير» ، واقتصرنا ههنا على مجرَّد التِّلاوة.