فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 581

وقوله تعالى: {أو أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه: 10] ، أَيْ: مَنْ يَهْدِينِي الطَّرِيقَ.

وهذه مِنْ حِكْمَةِ اللهِ - عزَّ وجلَّ - أَنْ جَعَلَ سَيْرَهُ في هذا الوَقْتِ من الظَّلام، والضَّباب، والسَّحاب؛ فهو بحاجةٍ الآنَ إلى النَّار، وإلى مَنْ يَدُلُّهُ على الطَّريق.

{لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أَيْ: قِطْعَةً من النَّار؛ لعلَّكم تستدفئون بها من البَرْدِ.

لَمَّا وَصَلَإلى النَّارِ، وَجَدَ نارًا عَظِيمَةً حتَّى عنان السَّماء، وفي وَسَطِهَا شَجَرَةٌ خَضْرَاءُ كَأَجْمَلِ ما تكون الشَّجَرُ.

وَقَفَ حَائِرًا متعجِّبًا من وجود نارٍ وفي وَسَطِهَا شَجَرَةٌ لم تَحْتَرِقْ وهو في الحقيقة نُورٌ، وليست نارًا.

وهذا النُّورُ يَمْتَدّإلى عَنَانِ السَّمَاءِ، وقيل: «إِنَّهُ لَمَّا وَصَلَإلى النَّار وَقَرَّبَ منها، وَجَدَهُ ضَوْءًا يَنْبَعِثُ مِنْ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وليست تَحْتَرِقُ، فَكَانَتِ الشَّجَرَةُ تُضِيءُ، وَلَيْسَتْ نَارًا، إنَّمَا فيها نُورٌ، وَهُوَ وَاقِفٌ عند النَّار متحيِّرٌ، ومتعجِّبٌ. فَسَمِعَ صَوْتًا من شَاطِئِ الوَادِي الأَيْمَنِ.

الشَّاهِدُأنَّهُ لَمَّا وصل إلى النَّارِ في الوادي المبارَك واسمُه «طُوًى» في الجانب الأيمن في البقعة المبارَكة، ناداه ربُّه.

واللهُ - تعالى - جَعَلَ الشَّجَرَةَ عَلامَةً؛ لِيَقِفَ وَيَأْتِي موسي - عليه السلام - عندها وَيَسْمَعَ كَلامَ الله في هذا المكان.

وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى هذا الحال عند الشَّجرة يتعجَّب سَمِعَ نِدَاءَ الرَّبِّ - جلَّ وعلا- {أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ} المُرَادُ به موسى؛ لِتَكْرِيمِ الله له.

{وَمَنْ حَوْلَهَا} أَيْ: من الملائكة، والأرض المجاورة، ومنها بَيْتُ المَقْدِسِ.

وهذه النَّارُ مِنْ نُورِ اللهِ، وَفِيهَا أُمُورٌ:

1 -أنَّ مُوسَى - عليه السلام - رَأَى نورًا من دون نارٍ.

2 -سمع كلامَ الله، وليس مِنْ جِنْسِ كَلامِ البَشَرِ.

3 -كلَّمه ربُّه، وإثباتُ صِفَةِ الكلام لله على الحَقِيقَةِ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ.

4 -في سورة طه أُمِرَ موسى بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [طه: 12] ؛ أيِ: الَّذي يكلِّمك وَيُخَاطِبُكَ {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} ، وقيل: «إنَّما أَمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا للبُقْعَةِ» .

وهذا هو الأَقْرَبُ، ولأنَّ الحِكْمَةَ مِنْ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَعْظِيمُ البُقْعَةِ.

قال ابنُ جريرٍ: «وَأَوْلَى القولين في ذلك بالصَّواب: قول من قال: أَمَرَهُ الله - تعالى ذِكْرُهُ - بخلع نَعْلَيْهِ ليباشِرَ بِقَدَمَيْهِ بَرَكَةَ الوادي» .

وقيل: «لِيَطَأَ الأرضَ المقدَّسة بِقَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ مُنْتَعِلٍ؛ للبركة والاطمئنان» .

في هذه الآيات الكريمات في سورة طه يبيِّن- تعالى - أنَّه كلَّم موسى - عليه السلام -، وبيَّن له التَّوحيد الَّذي هو أوَّلُ وَاجِبٍ على العبد، وأمره بعبادته.

ثمَّ ثَنَّى بالأمر بإقامة الصَّلاة؛ لأنَّها أَعْظَمُ العبادات البدنيَّة، وإقامتها أي: لِتَذْكُرْنِي فيها بقلبك ولسانك وسائر جوارحك.

ثمَّ بَيَّنَ لَهُ وأخبره أنَّه لا بُدَّ من الإيمان بالسَّاعة والقيامة، وأنَّه لا يَعْلَمُ وَقْتُ قِيَامِهَا إلاَّ اللهُ، وأنَّ اللهَ قد أَخْفَاهَا عن الخَلْقِ؛ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بما تسعى.

فالمؤمنُ مُشْفِقٌ منها، والكافرُ والفاجرُ غَافِلٌ عنها بما نسوا يومَ الحساب.

وبعدهذا موسى - عليه السلام - في هذه الأحوال محتاجٌ إلى أدلَّةٍ تدلُّ على صِدْقِهِ؛ ليتهيَّأ لِحَمْلِ المسئوليَّة الرِّسالة كلُّ نبيٍّ أو رسولٍ أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ سَاقَ اللهُ مَعَهُ آَيَةً من آياته وَمُعْجِزَةً تَدُلُّ على أنَّه نَبِيٌّ من عند الله.

ولقد كان مِنْ أَعْظَمِ المعجزات والآياتِ البَاهِرَاتِ مَا أُرْسِلَ به موسى - عليه السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ وَمَلأه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت