{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] ، قال بَعْضُ المفسِّرين: «إنَّما قال له ذلك على سبيل الإيناس له» ، {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] أَيْ: أَعْتَمِدُ عليها في حَالِ المَشْيِ، {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} ،
{وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] أي: مَصَالِحُ وَمَنَافِعُ وحاجاتٌ أُخْرى غَيْرُ ذَلِكَ.
العصا فيها مصالحُ عِدَّةٌ، منها: ما ذَكَرَهُ موسى - عليه السَّلامُ - من أنَّه يعتمد عليها في مَشْيِهِ، ويهشُّ بها على غَنَمِهِ، وله فيها مصالحُ؛ كَأَنْ يَضْرِبَ بها السَّبُعَ مثلًا، أو الحيَّة، أو العقرب، وكذلك أيضًا: يدافع بها عن نفسه إذا اعتدى عليه عَدُوٌّ، وَيَضَعُهَا سُتْرَةً له عندما يصلِّي، ويضع عليها ثوبًا يستظلُّ به، ومصالح وفوائد كثيرة.
{قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى} [طه: 19] ، أي: هذه العصا الَّتي في يدك يا موسى «أَلْقِهَا» {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20] ؛ أي: صارت في الحال حَيَّةً عظيمةً ثُعْبَانًا طويلًا يتحرَّك حركةً سريعةً، فإذا هي تهتزُّ كأنَّها جَانٌّ.
الجان هُوَ نَوْعٌ من الحيَّات سريعُ الحركة، فصارت تضطرب، وتتحرَّك، وتتلوَّى مثل الثُّعبان، فمرَّت بشجرةٍ فَأَكَلَتْهَا، فمرَّت بصخرةٍ فَابْتَلَعَتْهَا، فجعل موسى يَسْمَعُ وَقْعَ الصَّخْرَةِ في جوفها، فولَّى مُدْبِرًا؛ لِعِظَمِ ما هاله مِنْأَمْرِهَا.
فنُودِيَ أَنْ: يَا موسى، خُذْهَا ولا تَخَفْ، فَلَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ تَوَقَّف.
{خُذْهَا وَلَا تَخَفْ} فَأَخَذَهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا بيده تَكُونُ عَصَا، ويضعها على الأرض فتكون ثعبانًا معروفًا.
قال الله تعالى: {اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ} فَهَذِهِ آَيَةٌ وَبُرْهَانٌ إِذَا طُلِبَ مِنْكَ آَيَةٌ وَدَلِيلٌ.
والآية الثَّانية: يَدُهُ يُدْخِلُهَا في جَيْبِهِ ثمَّ يُخْرِجُهَا مِنَ الجيب مدخل الرَّأْسِ، أَيْ: أَدْخِلْ يَدَكَ في جيبك فإذا هي بَيْضَاءُ تتلألأ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ؛ يعني: مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، ولا مَرَضٍ نُورٌ تتلألأ مثل الشَّمس، ثمَّ يدخلها ثانيةً تَرْجِعُ كما كانت.
{تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] ، أي: من غَيْرِ بَرَصٍ ولا أَذًى، وَمِنْ غَيْرِ شَيْنٍ، قاله ابْنُ عَبَّاسٍ، «مِنْ غَيْرِ شَيْنٍ» ؛ أَيْ: مِنْ غير عَيْبٍ كالبرص وغيره من العيوب؛ فهي تتلألأ مثلَ القَمَرِ.
وكان مُوسَى - عليه السلام - يَرْتَجِفُ من الخَوْفِ، {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} ، يَرْجِعْ لك الهدوءُ.
وكلُّها أَدِلَّةٌ تَحْمِلُهَا إلى قَوْمِكَ، قال الله تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} .
برهانان: البرهانُ الأوَّلُ: العصا، والبرهان الثَّاني: اليدُ.
فهاتان معجزتان لموسى - عليه السلام -، دَلِيلَانِ عَلَى صِدْقِهِ وَأَنَّهُ رَسُولٌ من عند الله- تعالى - وهذا يَدُلُّ علاأنَّه ليس رجلًا عاديًّا.
فلا يستطيعأَحَدٌ من النَّاس أن يأتي بمثل ما جاء به، وكان زمانُ فرعون زمانَ البراعة في السِّحر والتَّفوُّق فيه.
فأرسل اللهُمع موسى آيتين من حيث الشَّكل مِنْ جِنْسِ ما يعمله السَّحَرَةُ، لكنَّهم في الحقيقة يَعْجَزُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ.
اختار اللهُ هاتين الآيتين حتَّى يتعامل معهم بِمَنْطِقٍ وَوَاقِعٍ.
وتوجَّه موسى - عليه السلام - إلى مِصْرَ بعد هذه المدَّة الطَّويلة - عَشْرِ سَنَوَاتٍ - وجاء على قَدَرٍ.
أقدارُ الله مقدَّرةٌ بِحِكْمَةٍ عظيمةٍ يَسُوقُ العَبْدَ لها، فيذهب لِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ في سَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ليقابل قَدَرًا معيَّنًا.
اشتاقت نَفْسُ موسى - عليه السلام - إلى أهله والعَوْدَةِ إلى بلده مع أنَّه مُهَدَّدٌ بالقَتْلِ؛ فَقَدْ مَكَثَ مُوسَى في دَارِ فِرْعَوْنَ مُدَّةً وَلِيدًا، وَتَرَبَّى في حِجْرِ فِرْعَوْنَ عَلَى فِرَاشِهِ، ثمَّ قَتَلَ مِنْهُمْ نَفْسًا، فَخَافَهُمْ أن يقتلوه، فَهَرَبَ منهم هذه المدَّة بكمالها.