في قصَّة سلمان وأخيه أبي الدَّرداء - رضي الله عنهما - فيها قال سلمان: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حقًّا، وَلِزَوْجِكَ عليك حقًّا، فَأَعْطِ كلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» .
زَادَ التِّرْمِذِيُّ وابنُ خزيمة في روايتيهما: «وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حقًّا» .
زاد الدَّارقطنيُّ في روايته: «وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» .
فالنَّفْسُ تُطْلَقُ على اللَّطيفة الرَّبَّانيَّة الَّتي تحصل بها الحقيقةُ الإنسانيَّة، وَتُطْلَقُ على البدن؛ فالنَّفْسُ بالمَعْنَيَيْنِ لها عَلَيْكَ حَقٌّ.
وفي رواية الدَّارقطنيِّ تَصْرِيحٌ بالبدن: «وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» .
فما حَقُّ البَدَنِ علينا؟
الحَقُّ الأوَّلُ مِنْ حُقُوقِ البَدَنِ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُقَ بهذا البَدَنِ، فتمتِّعه بما أحلَّ الله له من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والأثاث، والمناكح.
بعضُ هذه الأمور الضَّروريَّة لا يحيا البدنُ إلاَّ بها، وبعضها كَمَالِيَّةٌ يحصل بها للبدن السُّرور والالتذاذ والبهجة، فينبغي أن تعطي هذا البَدَنَ حظَّه من الأمرين؛ فالضَّروريُّ كالطَّعام والشَّراب واللِّباس والمسكن ضروريٌّ لحياتك، وما هو أَثَاثٌ وَمَنْكَحٌ فهذا كماليٌّ.
إعطاءُ البدن حقَّه من غير إسرافٍ ولا مخيلةٍ؛ لأنَّ مُجَاوَزَةَ الحَدِّ بالإسراف والخُيَلاءِ له مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ، منها ما يُقَسِّي القَلْبَ.
عِنْدَ البَيْهَقِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «يَا مُعَاذُ! إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ؛ فَإِنَّ عِبَادَ اللهِ لَيْسُوا بِالمُتَنَعِّمِينَ» .
و القصد: التَّوسُّطُ في الإنفاق. وحديث «مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ» رواه أحمد و الطبراني في"الأوسط"و الديلمي في"مسند الفردوس"و فيه ضعف، و المعنى صحيح. ففي الأَثَرِ: «حُسْنُ الخُلُقِ نِصْفُ الدِّين، والتَّدبيرُ نِصْفُ المعيشة» .
وقد وَرَدَ في أحاديث كُثُرٍ ذَمُّ الإسراف في الأَكْلِ حتَّى يَصِلَإلى حَدِّ التُّخْمَةِوالسِّمْنَةِ؛ «مَا مَلَأَ آَدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آَدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» رواه أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجة.
فَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَه» بِسَنَدٍ حَسَنٍ «أَنَّ رَجُلًا تَجَشَّأَ في مجلس النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يَا هَذَا! كُفَّ عَنَّا جَشَأَكَ، فَإِنَّ أَطْوَلَكُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُكُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا» .
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّأنَّ الرَّجُلَأَبُو جحيفة، فَكَانَ أَبُو جُحَيْفَةَ - رضي الله عنه - إذا تَغَدَّى لا يتعشَّى، وإذا تعشَّى لا يتغدَّى.
في كتاب الزُّهْدِ لِوَكِيعٍ عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أنَّ ابنًا لسمرة بن جندبٍ - رضي الله عنه - أَكَلَ حَتَّى بشم - أي أُصِيبَ بالتُّخْمَةِ - وما استطاع أن ينام، فقال سمرةُ بن جندبَ: «واللهِ لو مَاتَ لم أُصَلِّ عليه» .
ولذلك كان من أشراط السَّاعة كَثْرَةُ المآكل والمشارب والتَّوسُّع في ذلك، وأن يظهر عند النَّاس ضَخَامَةُ الأجسام والسِّمَنُ، والَّذين يتَّصفون بذلك في آخر الزَّمن هم شِرَارُ الخَلْقِ. [هذا الفَصْلُ حول النَّفس استفدتُه من شيخنا الطَّحَّان] .
قوله: {كَذَّبَتْثَمُودُبِطَغْوَاهَا} :الطُّغْيَانُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ ينشأ عند الإنسان حينما يشعر الإنسانُ بالاستغناء؛ فحينما يستغني بنفسه، ويستغني عن ربِّه؛ ينشأ عنده هذا الدَّاءُ العُضَالُ.
فماذا حَصَلَ لِقَبِيلَةِ ثَمُودَ؟ هذه أُمَّةٌ كَافِرَةٌ بَائِدَةٌ جاءت بعد قوم عادٍأهلكهم اللهُ بسبب كفرهم.
كانت تَسْكُنُ شَمَالِيَّ الحجاز بوادي القرى بالحجر في مدائن صَالِحٍ، وهذا الوادي خِصْبٌ فيه مياهٌ وَمَزَارِعُ، فكانت أمُّهُ صَاحِبَةَ ثَرْوَةٍ وَقُوَّةٍ، وَذَكَّرَهُمْ نَبِيُّهُمْ صَالِحٌ بِنِعَمِ الله عليهم؛ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي