فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 581

وَثَبَتَ في «مسند الإمام أحمد» و «سنن أبي داود» و «التِّرمذيِّ» و «صحيح ابن حبَّان» و «المستدرك» بِسَنَدٍ صحيحٍ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ- رضي الله عنه - قال: يا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مُرْنِي بدعاءٍ أَقُولُهُ إذا أَصْبَحْتَ، وإذا أَمْسَيْتَ، وإذا أَخَذْتُ مِضْجَعِي.

فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «قُلِ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ» . ثَبَتَ في «مسند الإمام أحمد» و «صحيح ابن حبَّان» وإحدى روايات التِّرمذيِّ، وفي رِوَايَةٍ للإمام أَحْمَدَ: «وَأَنْ أَقْتَرِفَ إِثْمًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ» .

«اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ» .

أَيْ: مَا يُوَسْوِسُ بِهِ للنَّاسِ مِنَ الإِشْرَاكِ بِاللهِ جَلَّ وَعَلا.

وَضُبِطَ: «وشَرَكِهِ» : جَمْعُ «شَرَكٍ» وَهِيَ مَصَائِبُهُ الَّتي يَنْصِبُهَا للنَّاسِ وَيُغْوِيهِمْ بها.

وعندالبُخَارِيِّ في «الأَدَبِ المُفْرَدِ» عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نَفِيعِ بْنِ الحارث - رضي اللهُ عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «دَعَوَاتُ المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» .

فَمَنْ عَرَفَ التَّقْصِيرَ مِنْ نَفْسِهِ، والْتَجَأَ إِلَى رَبِّهِ - جَلَّ وَعَلا - فَقَدْ سَعِدَ في الدُّنيا والآخرة.

يقول يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، عَرَفَ رَبَّهُ» .

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «هَذَا الأَثَرُ لَهُ ثَلاثُ مَعَانٍ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الضِّدِّيَّةِ، أو من باب الأولويَّة، أو من باب النَّفْيِ، فإذا كان من باب الضِّدِّيَّة أي: اعرف نفسَك بالجهل تعرف ربَّك بالعلم، اعرف نفسك بالعجز تعرف ربَّك - جلَّ وعلا - بالقوَّة والقهر، اعرف نفسَك بصفات النَّقص، تعرف ربَّك بصفات الكمال، وهذا هو معنى الضِّدِّيَّة» .

قلتُ: وما أحسن أن تَسْتَكِينَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكَ فتقول: أَسْأَلُكَ بِعِزِّكَ، وَذُلِّي إِلَيْكَ، وبقوِّتِكَ وَضَعْفِي إِلَيْكَ، وَبِغِنَاكَ وَفَقْرِي إِلَيْكَ، أَنْتَ الخَالِقُ، وَأَنَا المَخْلُوقُ، أَنْتَ الرَّبُّ، وأنا العَبْدُ، وأنتَ المَالِكُ، وأنا المَمْلُوكُ، وأنتَ العَالِمُ، وأنا الجَاهِلُ، وأنتَ القَادِرُ، وأنا العاجز».

والمعنى الثَّاني: الأولويَّة؛ أَيْ: هذه النَّفْسُ البشريَّةُ إذا كانت قَابِلَةً لصفات الكمال، وتتَّصف بالعلم والحِلْمِ والحكمة وغير ذلك، فالَّذي خَلَقَهَا أولى بالاتِّصاف بها من هذه الصِّفات، وهذا قياس الأَوْلَى.

والأقيسةُ ثَلاثَةٌ: القياسُ التَّمْثِيليُّ، والقياس الشُّموليُّ، وقياسُ الأولى، اثنان لا يستعملان في حقِّ ربِّنا الرَّحمن، ومن استعمل واحدًا منهما في حقِّ الله، فهو مخطئٌ مُعْتَدٍ على حقِّ الرُّبوبيَّة والألوهيَّة، وهما قياس التَّمثيل وقياس الشُّمول، إنَّما يُسْتَعْمَلُ في حقِّ الله قياسُ الأَوْلَى. قرَّره ابنُ تيميَّةَ في «التَّدْمُرِيَّةِ» .

وإمَّا أن يكون هذا الأَثَرُ مِنْ بَابِ النَّفْيِ، فكما لا تَعْرِفُ حَقِيقَةَ نَفْسِكَ الَّتي صِرْتَ بها إنسانًا، فمن باب أولى لا تَعْرِفُ حَقِيقَةَ رَبِّكَ.

والعدلُ عن دَرَكِ الإدراك إدراكٌ، والبحث في كُنْهِ ذات الإله إشراكٌ. إذًا: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ» .

أي: من عرف نفسَه بالجهل، من عرف نفسَه بالتَّقصير، من عرف نفسَه بالعجز، من عرف نفسَه بالذُّلِّ؛ عرف اللهَ بضدِّ ذلك، ومن عرف أنَّ نَفْسَهُ تقبل صفات الكمال، عرف أنَّ اللهَ يتَّصف بالكمال من باب أولى.

وَمَنْ لم يعرف حقيقة النَّفس الَّتي يحيا بها، فهو أعجز وأعجز عن معرفة حقيقة الرَّبِّ جلَّ وعلا؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .

والبدنُ له عَلَيْكَ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت