فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 581

وإنَّ أَعْظَمَ اسْتِذْلالٍ للإنسان أَنْ يَكِلَهُ اللهُ إلى نَفْسِهِ، ولذلك كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَعِيذُ بالله مِنْ شَرِّ هذه النَّفْسِ الإنسانيَّة، وَيُوصِي أَصْحَابَهُ الكِرَامَ- رضوانُ الله تعالى عليهم- بِذَلِكَ.

قوله: {قَدْأَفْلَحَمَنْزَكَّاهَا} :أَيْ قَدْ فَازَ وَنَجَا مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بالتَّوحيد والطَّاعات.

ففي الحديث: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ» رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجة. أَيِ: العَاقِلُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ وَضَبَطَهَا؛ فَلَمْ يُتْبِعْهَا هَوَاهَا؛ لأنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ النَّفْسَ، وَرَكَّبَ فِيهَا شَهْوَةً- والشَّهَوَاتُ كَثِيرَةٌ- وَجَعَلَ في مقابلها عقلًا وأيَّده بالوَحْيِ، فَجَعَلَ اللهُ العَقْلَ ضَابِطًا للنَّفْسِ؛ حتَّى لا تَتَّبِعَ هواها.

وَمِثَالُ ذَلِكَ مَرِيضُ السُّكَّرِ، تَصَوَّرْ طَبِيبًا جَاءَهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ في السِّنِّ يَشْكُو مِنْ مَرَضِ السُّكَّرِ يَعْقِلُ ويُدْرِكُ عواقبَ الأمور، فأرشده الطَّبِيبُ إلى وَصْفَةٍ طِبِّيَّةٍ.

فَمِنَ السُّهُولَةِأن يَتَّبِعَإِرْشَادَاتِهِ؛ لأنَّه يَعْقِلُ عَوَاقِبَ الأمور، لكن لو أَتَيْتَ بِطِفْلٍ صَغِيرٍ عنده مرض السُّكَّر كيف تقنعه بعدم جدوى الحَلْوَى، وهو لا يُدْرِكُ عَوَاقِبَ الأمور؟ لأنَّ اتِّبَاعَ الهوى نَقْصُإِيمَانٍ أو عَقْلٍ.

-فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ: التَّزْكِيَةُ تَأْتِي على قِسْمَيْنِ:

-أحدُهما: يُزَكِّي نَفْسَهُ، فَيَمْدَحَهَا، وَيُثْنِي على نَفْسِهِ؛ وهذا مَنْهِيٌّ عنه؛ لِمَا فِيهِ من الكِبْرِ والتَّرَفُّعِ على الغير.

يقول اللهُ تعالى: {فَلَاتُزَكُّواأَنفُسَكُمْ} لأنَّ المُؤْمِنَ يَرَى نَفْسَهُ مقصِّرًا وناقصًا دائمًا؛ لأنَّ المُؤْمِنَ دائمًا ينظر إلى حقِّ ربِّه عليه، فَيَعْلَمَأنَّه غَيْرُ مُؤَدٍّ له كما ينبغي.

فعلم أنَّه لا سَبِيلَ إلى النَّجَاةِ إلاَّ بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَدَائِمًا يَنْظُرُ في حقِّ الله عليه، ثمَّ يَنْظُرُ هل قام به كما ينبغي.

لِذَلِكَ يَشْعُرُ دائمًا بالنَّقْصِ والتَّقْصِيرِ، وفي الأَثَرِ: «ذُمَّ نَفْسَكَ؛ فَهِيَأَوْلَى بالذَّمِّ، وَنَاجِنِي بِقَلْبٍ وَجِلٍ وَلِسَانٍ صَادِقٍ» ، فَخِلافُ الأَوْلَى تَزْكِيَةُ نَفْسِهِ بِالمَدْحِ، والتَّرَفُّعِ على النَّاس.

أمَّا القِسْمُ الثَّاني: فَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ بالتَّوْحِيدِ والطَّاعة؛ فَقَدْ فَازَ وَنَجَا مَنْ طَهَّرَهَا بالتَّوْحِيدِ والطَّاعات.

قوله: {وَقَدْخَابَمَنْدَسَّاهَا} :أَيْ خَسِرَ وَهَلَكَ مَنْ دَسَّاهَا؛ أَيْ: دَنَّسَهَا بِالكُفْرِ وَالشِّرْكِ والمعاصي.

وفي الحديث: «وَالعَاجِزُ مَنْأَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِي» رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجة.

فالعَاجِزُ مَنْ فَقَدَ الكَيَاسَةَ، فَغَلَبَتْ نفسُه عقلَه، فَأَتْبَعَ نفسَه هواها، فلم يُحَاسِبْهَا ولم يَضْبِطْهَا، وَتَمَنَّى على الله الأماني؛ أَيْ: تَرَكَ الأعمالَ الإيمانيَّةَ، وَطَلَبَ الجنَّة بدون تَوْبَةٍ، ولا إِيمَانٍ، ولا عَمَلٍ.

وَحَالُهُ مِثْلُ بَهِيمَةٍ تَرَى المَرْعَى أَخْضَرَ وَجَمِيلًا، وكان بينها وَبَيْنَهُ حَائِلٌ، فكانت تُحَاوِلُأَنْ تَصِلَ إليهبِأَيِّ وَسِيلَةٍ، وَتَأْكُلَ مِنْهُ، ولكنَّها لم تُفَكِّرْ في كيفيَّة الخروج.

والنتيجة إذا استولت النَّفْسُ الفاسدةُ على القلب، أَصْبَحَتْ حَاجِزًا بين القلب وَخَالِقِهِ؛ فَمَنْ ضَبَطَ نَفْسَهُ بالإيمان والعقل؛ نَجَا، وَمَنِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ؛ هَلَكَ.

فَمَنِ انْتَصَرَ على نَفْسِهِ، انْتَصَرَ على الأعداء كلِّها، وَسَبِيلُ الانْتِصَارِ عليها بالمجاهَدة وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ.

وَمِنْ هُنَا أُمِرْنَا بالاستعاذه بالله من شَرِّ النَّفْسِ والسَّيِّئَاتِ.

ففي خطبة الحَاجَةِ كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِأَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا» . رواه مُسْلِمٌ.

فَاسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا عمومًا وَمِنْ شَرِّ ما يتولَّد منها من أعمالٍ.

وفي «المُسْنَدِ» وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا عن عمران بن حُصَيْنٍ قال: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُبَيٍّ: «يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا؟ قال أُبَيٌّ: سَبْعَةً؛ سِتَّةً في الأرض، وَوَاحِدًا في السَّماء. قال: فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قال: الَّذي في السَّماء.

قال: يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ. قال: فلمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قال: يا رسولَ اللهِ عَلِّمْنِي الكلمتين اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فقال: قُلِ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي».

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت