النَّفْسُ المطمئنَّةُ مَنْ وَحَّدَتِ اللهَ، فَلَمْ تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، واتَّبَعَتْ رَسُولَهُ، فاجتمعت فيها القوَّتان: العلميَّةُ والعمليَّةُ الإراديَّةُ؛ عَرَفَتِ الحقَّ واتَّبَعَتْهُ، وَعَرَفَتِ البَاطِلَ وَاجْتَنَبَتْهُ، فَأَحَبَّتِ الخَيْرَ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ، وَكَرِهَتِ الشَّرَّ وَأَبْغَضَتْهُ، وَقَرِينُهَا المَلَكُ.
هذه النَّفْسُ اشترت نفسَها وذاتَها من ربِّها؛ لِيُعْتِقَهَا مِنْ نَارِهِ.
قال الصَّحَابَةُ في بَيْعَةِ العَقَبَةِ: يَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرِطْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ. فقال: «أَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، وَأَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» .
فقال عبدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ: فَمَا لنا؟ قال: «الجَنَّةُ» . فقالوا قَوْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ: رَبِحَ البَيْعُ، لا نقيل ولا نستقيل. يَعْنِي: لو طَلَبْتَ رُجُوعًا، لَمَا قَبِلْنَا وَنَحْنُ لن نتخلَّى عن هذه المبايعة، رَبِحَ البيعُ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. روى معناه ابن حبان و الطبراني و الهيثمي.
هذه النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ لها علاماتٌ؛ منها دَوَامُ ذِكْرِهِ، وَطَاعَتِهِ في سائر الأحوال، ومنها الإعراضُ عمَّا لايُفِيدُ في الدُّنيا والآخرة.
أمَّا النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ وَصِفَاتُهَا وهي الَّتي اتَّصفت بالقوَّة العلميَّة، لكن في القوَّة العمليَّة تَقْصِيرٌ وَقُصُورٌ، فالخَلَلُ والزَّلَلُ جَرَى في جانب العمل، فليس في عقيدته، وفي عِلْمِهِ، وَفِي فِكْرِهِ زَيْغٌ ولا شُبْهَةَ، إنَّما في عمله شيءٌ من التَّقْصِيرِ.
أحبَّت شَيئًا من الخير، وشيئًا من الشَّرِّ، وَكَرِهَتْ شَيئًا من الشَّرِّ، وأحبَّت شَيْئًاآَخَرَ، والحربُ فِيهَا سِجَالٌ، وَسَبَقَ الحَدِيثُ عنها في سورة الفجر.
أمَّا النَّفْسُ الثَّالِثَةُ: هي النَّفْسُ الأَمَّارَةُ الخَبِيثَةُ المَنْكُوسَةُ، وهي الَّتي فَسَدَتْ فِيهَا القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ، فَجَحَدَتِ الحَقَّ، وَأَنْكَرَتْهُ وَمَا عَرَفَتْهُ، وَفَسَدَتْ فيها القوَّةُ العَمَلِيَّةُ، فأعرضت عن العمل الصَّالح، فأحبَّت الشَّرَّ وَرَضِيَتْهُ، وَكَرِهَتِ الخَيْرَ وَأَبْغَضَتْهُ، وقرينُها الشَّيْطَانُ.
وإذا فَسَدَ في الإنسان القوَّةُ العلميَّةُ والعمليَّةُ، هَلَكَ، وما مَثَلُ النُّفوس الثَّلاثة إلاَّ كَمَثَلِ ثَلاثَةِ بُيُوتٍ في الأرض: بَيْتِ مَلِكٍ، وَبَيْتٍ خَرِبٍ، وَبُيُوتِ النَّاس.
فاللُّصُوصُ لا تَأْتِي لِبَيْتِ المَلِكِ؛ لِمَا يُوجَدُ حَوْلَهُ مِنْ حَرَسٍ وَحَوَاجِزَ، والنُّفُوسُ الأَمَّارَةُ بالسُّوءِ مِثْلُ البيوت الخَرِبَةِ، ماذا تفعل الشَّياطينُ فيها؟
قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إنَّ اليهودَ يزعمون أنَّهم لا يُوَسْوَسُونَ في صلاتهم؟ قال: صَدَقُوا، ماذا يفعل الشَّيْطَانُ في القلب الخَرِبِ؟»
النَّفْسُ الثَّالِثَةُ: هي بيوتُنا. فَهِيَ مَرْتَعٌ لِلُّصُوصِ، إذا وجدوا مِنَّا غَفْلَةً، وجدوا منا ذَهَابًا وخروجًا، غاروا على بيوتنا، فينبغي أن نحصِّن بيوتَنا بالمراقبة، وأن نحصِّن أنفسَنا بالطَّهارة؛ فالشَّياطينُ تُغِيرُ على أصحاب النُّفوس اللَّوَّامة، والحَرْبُ سِجَالٌ، والمحفوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللهُ.
وإذا تَبَيَّنَ هذا كُلُّهُ فالنَّفْسُ تُطْلَقُ على ثلاثة أُمُورٍ:
-تُطْلَقُ النَّفْسُ على اللَّطيفة الإنسانيَّة الَّتي يحصل بها حقيقة الإنسان.
-وَتُطْلَقُ النَّفْسُ على البدن والجسد.
-وَتُطْلَقُ النَّفْسُ على مجموع الأمرين.
النَّفْسُ الإنسانيَّةُ الَّتي بمعنى اللَّطيفة الرَّبَّانيَّة الَّتي تتحقَّق بها حقيقةُ الإنسان تَنْقَسِمُ إلى ثلاثة أقسامٍ: إلى نَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَنَفْسٍ لوَّامةٍ، وَنَفْسٍ أَمَّارَةٍ.
ونتيجة أنَّ اللهَ جَعَلَ النَّفْسَ قَابِلَةً للتَّغيير، فَإِنْ قَبِلَتِ الخَيْرَ صَلُحَتْ، وَإِنْ قَبِلَتِ الشَّرَّ فَسَدَتْ، فَأَعْظَمُ كرامةٍ للإنسان أن يُعَوِّلَ على شرع الرَّحمن.