فَرُبَّ شَخْصٍ عَظِيمِ البَدَنِ، كَبِيرِ الجُثَّةِ، خَفِيفٍ على قلبك، حُلْوٍ عِنْدَكَ، وآخرَ خَفِيفِ الخِلْقَةِ، صَغِيرِ الجُثَّةِ، أثقل على قلبك مِنْ جَبَلٍ، وَمَا ذَاكَإلاَّ للطافَةِ رُوحِ ذلك وخفَّتها وحلاوتها، وكثافة هذا وَغِلَظِ روحِه ومرارتها.
وبالجُمْلَةِ فالعُلَقُ- بضمِّ العين وفتح اللاَّم - والوُصَلُ الَّتي بَيْنَ الأشخاص والمنافرات والبُعْدُإنَّمَا هي للأرواح أصلًا والشَّبَحِ تبعًا.
أَقْسَمَ - سبحانه -بِهَذِهِ النَّفْسِ، وَنَكَّرَهَا؛ لأنَّه أَرَادَ نَفْسًا مُعَيَّنَةً؛ وهي النَّفْسُ البشريَّة؛ فهي من مخلوقات الله العجيبة، وفيها عجائبُ وَعِبَرٌ، ولها صِفَاتٌ.
فإذا أَحَبَّتِ الخَيْرَ فَهِيَ مُطْمَئِنَّةٌ، وإذا أَحَبَّتْ شَيْئًا من الخير والشَّرِّ لوَّامَةٌ، وإذا أحبَّت الشَّرَّ فَهِيَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ وَظَالِمَةٌ جَاهِلَةٌ.
قوله: {وَمَا سَوَّاهَا} :أي خَلَقَهَا سَوِيَّةً مُسْتَقِيمَةً على الفطرة السَّليمة؛ فَفَطَرَهَا على الإسلام، ولكنَّها قابلةٌ للتَّغيير؛ فإن قابلت خَيْرًا صلحت، وإن قَابَلَتْ شَرًّا فَسَدَتْ.
فالتَّرْبِيَةُ الصَّالِحَةُ تُصْلِحُ النَّفْسَ، والتَّرْبِيَةُ السَّيِّئَةُ سَبَبُإفسادها، ولا بُدَّ مِنْ بَذْلِ السَّبَبِ مِنَ العَبْدِ ووالديه.
قوله: {فَأَلْهَمَهَافُجُورَهَاوَتَقْوَاهَا} :أي جَعَلَهَا قَابِلَةً للخير والشَّرِّ، والهدى والضَّلال، وهذا بِقَضَاءِ الله وَقَدَرِهِ وَحِكْمَتِهِ؛ فهذه الآَيَةُ والَّتي قَبْلَهَا تَضَمَّنَتَاإثباتَ القَضَاءِ وَالقَدَرِ السَّابق.
فاللهُ خَلَقَ النَّفْسَ، وَرَكَّبَ فيها شهواتٍ، وَجَعَلَ لها اختيارًا، وَجَعَلَ له قُدْرَةً وإمكانيَّةً وإرادةً، وَبَيَّنَ لَهَا طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وَأَنْزَلَ كُتُبًا وَأَرْسَلَ رُسُلًا.
فكلُّ مَنْ عَلِمَ اللهُ مِنْهُ الخَيْرَ وَفَّقَهُ، وَكُلُّ مَنْ عَلِمَ مِنْهُ الشَّرَّ يَسَّرَ له الشَّرَّ.
وَسَبَبُ مَحَبَّتِهَا للشَّهوات واتِّباع الهوى أنَّها ظالمةٌ وَجَاهِلَةٌ، وبالعلم يرتفع الجَهْلُ، وبالعمل يرتفع الظُّلْمُ.
وَلِذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ من يستحقُّ الهدايةَ، ومن يستحقُّ الضَّلالَ؛ فَمَنْأَطَاعَ اللهَ، زَادَهُ هِدَايَةً، وَيَسَّرَأُمُورَهُ كلَّها؛ {فَأَمَّامَنْأَعْطَاوَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَبِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُلِلْيُسْرَى (7) } .
وَمَنْ عَصَاهُأَضَلَّهُ على عِلْمٍ، وَعَسَّرَ عليه أُمُورَهُ؛ {وَأَمَّامَنبَخِلَوَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَبِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُلِلْعُسْرَى} .
اخْتَرْ لِنَفْسِكَ واللهُ يُجَازِي بعملك، اعمل ما شِئْتَ فَأَنْتَ مَجْزِيٌّ به، أمَّا مَنِ اعْتَمَدَ على القَدَرِ، وَلَمْ يَبْذُلِ السَّبَبَ، وَتَرَكَ العملَ؛ فَقَدْ هَلَكَ.
فَيُحْتَجُّ بالقَدَرِ في الشَّيْءِ الَّذي لا يُقْدَرُ عليه مِثْلُ المصائب؛ كَوْنِهِ مَرِيضًا، أو عِنْدَهُآَفَةٌ أو عَاهَةٌ؛ فالشَّيْءُ الَّذي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لا يُلامُ.
ولا يُحْتَجُّ بالقَدَرِ في الشَّيْءِ الَّذي يَقْدِرُ عليه، كالطَّاعة والمعصية؛ فلا يَصِحُّ الاحتجاجُ بالقَدَرِ؛ لأنَّهَا فِعْلُهُ وَكَسْبُهُ وَاخْتِيَارُهُ.
فَلَوْ زَنَى لا يَصِحُّأن يقول: أنا مَجْبُورٌ. قَدَّرَهُ اللهُ نَعَمْ، عَلِمَهُ وَقَدَّرَهُ كَوْنًا، وَلَكِنْ لا يَرْضَاهُ شَرْعًا، وَنَهَى عَنْهُ.
وهذه مُغَالَطَةٌ يُغَالِطُ بها بَعْضُ الأَشْقِيَاءِ.
فَبَعْدَأَنْ أَقْسَمَ اللهُ بِثَمَانِيَةِأَشْيَاءَ: بِتَعَاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهَار، ِ والشَّمْسِ والقَمَر، ِ والسَّمَاءِ المَبْنِيَّةِ والأَرْضِ الواسعة، والنَّفس البشريَّة القابلة للخير والشَّرِّ، جَاءَ جَوَابُ القسم بأنَّه قد أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بالتَّوحيد والطَّاعات، وَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ دَنَّسَهَا بالشِّرك والمعاصي.
والنَّفْسُ ثَلاثَةُأَقْسَامٍ؛ إِمَّا نَفْسٌ تَزْكُو بشريعة الله، فَتَكُونَ مُطْمَئِنَّةً، وإمَّا نَفْسٌ يَحْصُلُ فيها تَزْكِيَةٌ مع شَيْءٍ مِنَ الدَّنس والشَّوائب؛ فَهِيَ لَوَّامَةٌ، وإمَّا نَفْسٌ لا تَزْكِيَةَ فيها خَبِيثَةٌ شَقِيَّةٌ؛ فَهِيَ أَمَّارَةٌ، وهذه النُّفوسُ الثَّلاثُ ينبغي أن نتعرَّف على صفاتها وكيفيَّاتها.