-الأوَّلُ: ابْتَدَأَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بالقَسَمِ بِأَحَدَ عَشَرَ قَسَمًا بالخالق والمخلوق، فَأَقْسَمَ بالشَّمس، والضُّحى، وبالقمر، وبالنَّهار، وباللَّيل، وبالسَّماء وبانيها، وبالأرض وطاحيها، والنَّفس ومسوِّيها، فكان أَطْوَلَ قَسَمٍ في كتاب الله.
والمُقْسَمُ عَلَيْهِأنَّه قد أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بالتَّوحيد والطَّاعات، وَخَابَ وَخَسِرَ مِنْ دَنَّسَهَا بالشِّرك والمعاصي.
ثمَّ تحدَّثت عن الموضوع الثَّاني: موضوعالطُّغْيَانِ ممثَّلًا في قصَّة ثَمُودَ، وخصَّهم دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ؛ لأنَّهم رَدُّوا الهُدَى بعدما تَيَقَّنُوهُ، وكانوا مستبصرين، فاختاروا العمى والضَّلالَةَ على الهُدَى.
قوله: {وَالشَّمْسِوَضُحَاهَا} :أَقْسَمَ - سُبْحَانَهُ - بالشَّمس وَضُحَاهَا؛ أَيْ: ضَوْءَهَا وَضِيَاءَهَا وَإِشْرَاقَ ضُحَاهَا.
والضُّحى وَقْتُ ارتفاع الشَّمْسِأَوَّلَ النَّهار، وهذه الآَيَةُ تُضِيءُ الكَوْنَ كلَّه، وَلَهَا مُدَّةٌ قَدَّرَهَا اللهُ.
وإذا ظَهَرَتْ يَسْتَغْنِي النَّاسُ عن كلِّ سِرَاجٍ وَعَنْ كُلِّ طَاقَةٍ؛ فَهِيَ نُورٌ وَحَرَارَةٌ تُضِيءُ الكَوْنَ، وَتُنْضِجُ الثِّمَارَ والزُّرُوعَ، وَتُنَشِّفُ الأَرْضَ في مصالحَ لاتُعَدُّ ولا تُحْصَى.
فَأَقْسَمَ - سبحانه- بالشَّمس؛ لأنَّها آَيَةُ النَّهَارِ وهي مُبْصِرَةٌ، والضُّحَى فُسِّرَ بالضَّوْءِ وارتفاع النَّهار ارتفاعًا عاليًا.
قوله: {وَالْقَمَرِإِذَاتَلَاهَا} : أَيْ: إِذَا تَبِعَهَا في الطُّلُوعِ والأُفُولِ؛ وهو السَّيْرُ، أو في الإضاءة؛ فَالقَمَرُ يَبْعُدُ عن الشَّمْسِ في منتصف الشَّهر.
والسَّبَبُأنَّ القَمَرَ إذا اكْتَمَلَ يَكُونُ فِي مُقَابِلِ الشَّمْسِ، وَيَحْصُلُ الخُسُوفُ له إذا حَالَتِ الأَرْضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ، وهو يَخْلُفُهَا - أي الشَّمْسَ - في النُّور، وَيَقْرُبُ منها في آخره.
وَأَقْسَمَ - سبحانه- بالقمر؛ لأنَّهُآَيَةُ اللَّيْلِ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً، والقَمَرَ نُورًا.
قوله: {وَالنَّهَارِإِذَاجَلَّاهَا} :أي جَلَّى الأَرْضَ والكَوْنَ بِنُورِهِ وإشراقِهِ، فكيف يَهْنَأُ النَّاسُ بالعيش مع فَقْدِ النُّورِ؟
فالشَّمْسُ مِثْلُ السِّرَاجِ يُرْفَعُ؛ لِيَقْضِيَ النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ؛ فَلَوْ جَعَلَ اللهُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا {مَنْإِلَهٌغَيْرُاللَّهِيَأْتِيكُمبِضِيَاءٍ} .
قوله: {وَاللَّيْلِإِذَايَغْشَاهَا} :أي يُغَطِّي الأرضَ بظلامه؛ لِيَهْنَأَ النَّاسُ بالرَّاحة والهدوء، ولو جَعَلَ اللهُ النَّهَارَ سَرْمَدًا {مَنْإِلَهٌغَيْرُاللَّهِيَأْتِيكُمبِلَيْلٍتَسْكُنُونَفِيهِ} .
قوله: {وَالسَّمَاءِوَمَابَنَاهَا} :أَقْسَمَ بالسَّمَاءِ، وبنائها المُحْكَمِ.
فالسَّمَاءُآَيَةٌ مِنْ آَيَاتِ اللهِ العَظِيمَةِ في ارتفاعها، وَسَعَتِهَا، واستدارتها، وَحُسْنِ بِنَائِهَا، وَعَجَائِبِ كَوَاكِبِهَا، وَتَفَاوُتِ ما بين مشرقها ومغربها، ولكلِّ سَمَاءٍأَبْوَابٌ، وَحَرَسٌ، وَحَفَظَةٌ موكَّلون بها، وَجَعَلَهَا قَوِيَّةً، وَمُحْكَمَةً، وغليظةً، وأبوابُ السَّماء تُفْتَحُ لأسبابٍ.
{وَالْأَرْضِوَمَاطَحَاهَا} : وبالأرض، وَبَسْطِهَا، وما وسَّعها للنَّاس؛ حتَّى تَقُومَ مَصَالِحُهُمْ عَلَيْهَا.
فَلَوْ كانت ضَيِّقَةً، لتقاتل النَّاسُ عليها، فَجَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا والأَرْضَ بساطًا وفراشًا.
وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ في سورة الشَّمس المتقابلات؛ الشَّمْسَ والقَمَرَ، النَّهَارَ واللَّيْلَ، السَّمَاءَ والأرضَ، فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، أفلح وخاب، زكَّاها ودسَّاها.
قوله: {وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا} : فأعلمنا أنَّه خَالِقُأنفسنا وأعمالها، والنَّفْسُ ما يَحْيَا به الإنسانُ؛ فالجسمُ بِدُونِ رُوحٍ جُثَّةٌ هامدةٌ، والنَّفْسُ هي الَّتي تُحَرِّكُهُ، وهي مِنْ آَيَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ على عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، ولا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إلاَّ اللهُ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ الهَيْكَلَ الإِنْسَانِيَّإذا فَارَقَتْهُ الرُّوحُ كَيْفَ يَصِيرُ؟ بِمَنْزِلَةِ الخَشَبَةِأَوِ القِطْعَةِ من اللَّحْمِ.
فَأَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ العُلُومُ، والمعارفُ، والعقلُ، وتلك الصَّنائعُ، وتلك الأفعالُ العجيبةُ، وتلك الأفكارُ والتَّدبيراتُ؟ كيف ذَهَبَتْ كلُّها مع الرُّوح، وَبَقِيَ الهَيْكَلُ سَوَاءً هو والتُّرَابُ؟
وهل يخاطبك، أو يراك، أو يحبُّك، أو يواليك، أو يعاديك، أو يخفُّ عليك أو يثقل، يؤنسك، أو يوحشكإلاَّ تلك الرُّوحُ؟