فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 581

والنَّوْعُ الثَّاني: أساء إلى خَلْقِهِ، واستغنى بنفسه وعن ربِّه، وكذَّب بوعده ووعيده؛ فلا يُوَفَّقُ للخير، وَيُيَسَّرُ للشَّرِّ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} .

ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن الرَّجل الكافر الَّذي اغترَّ بماله وكدَّسه، أنَّه لاينفعه يَوْمَ القيامة، ثمَّ تحدَّثت السُّورةُأنَّ اللهَ عَلَيْهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهدى والضَّلال، وأنَّ الدُّنْيَا والآَخِرَةَ جَمِيعًا له وَحْدَهُ، ومن تيقَّن ذلك اجتمع طَلَبُهُ وَمَطْلُوبُهُ على من يملك الدُّنيا والآخرة.

ثمَّخُتِمَتِ السُّورَةُ بِبَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ وَمَنْ يَنْجُو منها؛ فمن كذَّب خَبَرَهُ، وَتَوَلَّى عن طاعته، وَبَخِلَ بماله، كان شقيًّا، ومن اتَّقى اللهَ، وَأَحْسَنَإلى خَلْقِهِ، وأخلص عَمَلَهُ، كَانَ سَعِيدًا.

قوله: {وَاللَّيْلِإِذَايَغْشَى} :أَيْ غطَّى بظلامه الكونَ، يقول اللهُ تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} .

قوله: {وَالنَّهَارِإِذَاتَجَلَّى} :أي أَقْبَلَ، وَتَجَلَّى، وظهر. يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} .

وكلاهما من آياته العظيمة الدَّالَّة على قدرته، وهما أيضًا آَيَتَانِ متضادَّتان، إحداهما تمحو الأخرى.

قوله: {وَمَاخَلَقَالذَّكَرَوَالْأُنْثَى} : «ما» بمعنى الَّذي؛ أَيْ: والَّذي خَلَقَ الذَّكَرَ والأنثى، وهما عامَّانِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ؛ {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} ، والحِكْمَةُ مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ النَّوع والنَّسْلِ.

قوله: {إِنَّسَعْيَكُمْلَشَتَّى} : هذا هو جَوَابُ القَسَمِ، وَعَظَمَةُ هذه السُّورة تَكْمُنُ في أنَّ السَّعْيَ مُخْتَلِفٌ ومتنوِّعٌ ومتعدِّدٌ.

فهناك فاعلُ الخير، وهناك فاعلُ الشَّرِّ؛ «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» رواه مسلم و الترمذي و النسائي و ابن ماجة.

قوله: {فَأَمَّامَنْأَعْطَاوَاتَّقَى} : رَغْمَ تَعَدُّدِ السَّعْيِ وَتَنَوُّعِهِ إلاَّأنَّه لا يَخْرُجُ عَنْ نوعين:

1 -قِسْمٌ أَحْسَنَ إلى خَلْقِ الله، واتَّقى ربَّه، وصدَّق بوعده وثوابه وعقابه. فيصدق عليه: {فَأَمَّامَنْأَعْطَاوَاتَّقَاوَصَدَّقَ بِالحُسْنَى} .

2 -وَقِسْمٌأَسَاءَ إلى خَلْقِهِ، واستغنى بنفسه وعن ربِّه، وكذَّب بوعده ووعيده.

فَمُوجِبُ هَلاكِهِ وعدم تيسيره لليسرى؛ استغناؤه عن ربِّه، وَتَرْكُهُ طاعته وعبوديَّته؛ فَذَكَرَ مَعَ بُخْلِهِ- وهو عدم إعطاء ما يجب عليه من الأقوال، والأعمال، وأداء المال - جَمَعَ مع ذلك تَكْذِيبَهُ بالحسنى؛ وهي شهادة أن لا إِلَهَإلاَّ اللهُ؛ فَهِيَأَصْلُ الإحسان، وبها تُنَالُ الحسنى.

فالاستغناءُ عن الله سَبَبُ هَلاكِ العَبْدِ، وهي مُنَافِيَةٌ للفقر، والعبوديَّةِ؛ فَلَوِ افتقر لتقرَّب وفعل فعل المملوك الَّذي لاغِنَى له عن مولاه.

قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُلِلْيُسْرَى} :عَقِيدَةُأَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة أنَّ مَنْ فَعَلَ الخَيْرَ، وَبَذَلَ الأسبابَ؛ فاللهُ بِيَدِهِ التَّوفيقُ والهدايةُ والتَّيسيرُ؛ فلابُدَّ من الأمرين للعبد؛ مِنْهُ العَمَلُ، واللهُ - تعالى - مِنْهُ التَّوْفِيقُ والتَّيْسِيرُ والهدايةُ.

خلافًا للجبريَّة والمرجئة؛ تَرَكُوا العَمَلَ، فالجبريَّةُ اعتمدوا على القضاء والقدر وقالوا: لو شاء اللهُ، لَهَدَانَا، وتركوا العمل والسَّبب.

والمُرْجِئَةُ تركوا العملَ وقالوا: الإيمانُ بالقلب يكفي.

والصَّحيحُأَنْ نجمعَ بين الإيمان بالقَدَرِ، والعمل بما ينفع، وترك ما يَضُرُّ.

فَفِي الحديث: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ» رواه أحمد و مسلم و النسائي و ابن ماجة.

ويؤكِّدُه أنَّ صَحَابَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أَخْبَرَهُمْ رسولُ الله أنَّ كلَّ وَاحِدٍ مَكْتُوبٌ مَقْعَدُهُ مِنَ الجنَّة أو النَّار فقالوا: فَفِيمَ العَمَلُ؟ يعني: نترك العمل؟ فقال: «لا. اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت