فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، إِلاَّ أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً، إلا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحدةً، كُلَّمَا أراد أَنْ يَسْجُدَ، خَرَّ عَلَى قَفَاهُ.
ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ».
قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} :يَمْنَعُهُمُ اللهُ مِنَ السُّجُودِ، وَيَحْرَمِهُمُ إِذْ ذَاكَعُقُوبَةً لهم؛ لأنَّهُم كُلِّفُوا بِهِ في الدُّنْيَا وهم يطيقونه، فلمَّا امتنعوا منه وهو مقدورٌ لهم، كُلِّفُوا به يوم القيامة، وهم لايقدرون عليه؛ عقوبةً وحسرةً لهم.
كم مِنْ نَفْسٍ اليَوْمَ تستطيع السُّجود فلا تسجد لله، وهم أَصِحَّاءُ قَادِرُونَ عليه فلا يسجدون؛ عنادًا واستكبارًا!
وَنَظِيرُ هذا التَّكليفتَكْلِيفُ البَرْزَخِ في أَسْئِلَةِ القَبْرِ، فَمَنْأَجَابَ في الدُّنيا طوعًا واختيارًا، أَجَابَ في البرزخ، ومن لا فلا، والتَّكليفُ لاينقطع حتَّى دخول الجنَّة أو النَّار.
قوله: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} :أَيْ ذَلِيلَةً.
قوله: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} : أي تَعْلُوهُمْ ذِلَّةٌ وَمَهَانَةٌ، لمَّا استكبروا عن الخضوع والخشوع لله في الدُّنيا، تَغْشَاهُمُ الذِّلَّةُ هناك .. اختر الذِّلَّةَ هنا أو هناك.
قوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} :حَرَمَهُمُ اللهُ من السُّجُودِ؛ عُقُوبَةً لهم، وَبَيَّنَ في الحديث من يمنعه من السُّجود.
هم أهلُ النِّفَاقِ، ومن يصلِّى اتِّقاءَ النَّاس، وأصحاب الرِّياء والسُّمْعَة.
فيه بَيَانُ الآخرة وأهوالِها وشدائدها، وما أعدَّ الله للفريقين؛ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ.
قوله: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} : أَيِ اتْرُكْنِي أَوْ دَعْنِي ومن يكذِّب بهذا الحديث، ثمَّ بَيَّنَ كَيْفَ سيعاقبهم.
قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} : الاستدراجُ: هو أَنْ يُمْلِيَ للشَّخص، وَيَفْتَحَ له بَابَ الرِّزْقِ، إلى أَنْ يُدْرِكَهُأَمْرُ الله.
ففي الأَثَرِ: «إِذَا رَأَيْتَ اللهَ - تعالى - يُنْعِمُ على عَبْدٍ، وهو مُقِيمٌ على معصيةٍ، فَاعْلَمْ أنَّه مُسْتَدْرَجٌ» . ثمَّ تلا هذه الآَيَةَ؛ سنستدرجهم بالنِّعَمِ، حتَّى يَزِيدَ طُغْيَانُهُمْ، ثمَّ يأخذه على غِرَّةٍ.
قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ} : أي أُمْهِلُهُمْ؛ أي تَأْخِيرَ العُقُوبَةِ وَعَدَمَ العَجَلَةِ؛ حتَّى يَغْتَرَّ، وَيَشْتَدَّ كُفْرُهُ.
قوله: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} :اللهُ يَكِيدُ بمعنى يوصِّل العقوبة لِمَنْ يستحقُّها على وَجْهٍ خَفِيٍّ لا يَشْعُرُ به؛ فهو عَدْلٌ، وَكَيْدُ المخلوق مَذْمُومٌ؛ لأنَّه إيصالُ الأذى لمن لا يستحقُّه، فهو ظُلْمٌ مَتِينٌ عَظِيمٌ وَقَوِيٌّ.
قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا} : يَعْنِى هل الَّذي صدَّهم عن الإسلام أنَّك تطلبهم أموالهم.
قوله: {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} : هل اطَّلعوا على الغيب؟ فكلُّ حُجَجِهِمْ مُنْتَفِيَةٌ، وما يحكمون به لأنفسهم من أنَّهم أفضلُ منزلةً عند الله مِنْ أَهْلِ الإيمان به؛ فما بَقِيَ إلاَّ الحَسَدُ والمُكَابَرَةُ.
قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} : وَجَّهَ اللهُ رَسُولَهُ بالصَّبْرِ والحِلْمِ؛ فَاصْبِرْ - يا مُحَمَّدُ - لِمَا حَكَمَ بِهِ رَبُّكَ وَقَضَاهُ وقدَّره عليك، وَمِنْ ذَلِكَ إِمْهَالُ وَتَأْخِيرُ نُصْرَتِكَ عليهم.
قوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} : ولا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحوت، وهو يُونُسُ- عليه السَّلام- في العَجَلَةِ والغَضَبِ حِينَ نادى ربَّه، وهو مَمْلُوءٌ غَمًّا طالبًا تعجيل العذاب لهم.
فيها نَهْيٌ عن التَّشبُّه به في الحالة الَّتي أَفْضَتْ بيونس إلى التقام الحوت، وهي ضَعْفُ العزيمة، وصبره لحكم ربِّه.