فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 581

ففي الحديث: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَأَنْتَ مَجْزِيٌّ بِهِ» رواه الحاكم و الطبراني و المنذري.

تَنْطِقُ الأَرْضُ بِإِذْنِ رَبِّهَا بما عمل عليها، بل إنَّ الأَرْضَ تُبْغِضُ العاصي، وتشهد عليه، وتحبُّ المطيعَ، وتُثْنِي عليه.

من الطَّبيعيِّأَنْ يَحْزَنَ الإنسانُ على فَقْدِ شَخْصٍ أَحَبَّهُ، لَكِنْ أن تَحْزَنَ الأشياءُ كالأرضِ على أشخاصٍ عاشوا عليها، هنا تَكْمُنُ الغَرَابَةُ.

قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه: «نَعَمْ. إنَّه ليس أَحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ إلاَّ وله بابٌ في السماء منه يَنْزِلُ رِزْقُهُ، وفيه يَصْعَدُ عَمَلُهُ، فإذا مات المؤمن فَأُغْلِقَ بَابُهُ من السَّماء الَّذي كان يَصْعَدُ فيه عَمَلُهُ، وَيَنْزِلُ منه رزقُه، فَإِنْ مات، فَقَدَهُ ذلك الباب، وَبَكَى عَلَيْهِ، وإذا فَقَدَهُ مُصَلاَّهُ مِنَ الأرض الَّتي كان يصلِّي فيها، وَيَذْكُرُ اللهَ - عزَّ وجلَّ - فيها، بَكَتْ عَلَيْهِ.

وَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ تكن لهم في الأرض آثارٌ صالحةٌ، ولم يكن يَصْعَدُ إلى الله - عزَّ وجلَّ- منهم خَيْرٌ، فلم تَبْكِ عليهم السَّمَاءُ والأَرْضُ».

قوله: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} : أي أَمَرَهَا أَنْ تَشْهَدَ وَتُخْبِرَ بما عُمِلَ عليها.

سُبْحَانَ اللهِ! مع كَثْرَةِ الشُّهُودِ وَفَوْقَهُ عِلْمُ ربِّ العالمين، وَأَحَاطَ عِلْمُهُ بكلِّ شَيْءٍ، نبَّهَنَا ربُّنا لما سَيَحْصُلُ لنا؛ حَتَّى نَسْتَعِدَّ.

قوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} : قِيلَ: «مِنَ القُبُورِإِلَى أَرْضِ المَحْشَرِ» .

وقيل: «يَصْدُرُونَإِمَّا إِلَى الجَنَّةِأَوِ النَّارِ؛ فَبَعْدَأَنِ انْتَهَى العَرْضُ والحسابُ، ذَكَرَ هُنَا أنَّ النَّاسَ يَتَفَرَّقُونَ افْتِرَاقًا لا اجْتِمَاعَ مَعَهُ؛ كانوا في الدُّنيا يختلطون، لكن هنالك كما أخبر اللهُ في سورة الرُّوم {وَيَوْمَ تقوم السَّاعة يَوْمَئِذٍ يتفرَّقون} .

لأَجْلِ أيِّ شيءٍ؟ لِيَرَوْا نَتَائِجَ أَعْمَالِهِمْ، فَيَصْدُرُأَهْلُ الجنَّة فِرَقًا وجماعاتٍ وَزُمُرًا، وَأَهْلُ النَّارِ كَذَلِكَ فِرَقًا وجماعاتٍ، كلٌّ يَتَّجِهُ إلى مَأْوَاهُ.

فَأَهْلُ الجنَّة ـ جعلنا الله منهم ـ يتَّجهون إليها، وأهل النَّار ـ والعياذ بالله ـ يُسَاقُونَ إليها.

يا وَيْلَ مَنْأَسْقَطَ الآخرةَ مِنْ حِسَابَاتِهِ، وَأَنْكَرَهَا كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ يَوْمَ القيامة، لا يريد أَنْ يَرَى جَزَاءَهُ.

هنا بَيَّنَ اللهُ سَبَبَ بَعْثِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ؛ ليرى النَّاسُ أَعْمَالَهُمْ وَنَتَائِجَهَا؛ فلا يَقْتَصِرَ الأمرُ على الشُّهود الخمسة: ربِّ العالمين، والملائكة، والأرض، والأعضاء والنَّاس، وبعدها رؤية أعمالهم؛ فهو أقوى شهيدٍ؛ {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} .

قوله: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} :هنالك يَرَى النَّاسُ نتائجَ أعمالهم، وسوف يُحَاسَبُ كلُّإِنْسَانٍ على مثاقيل الذَّرِّ من الخير ومن الشَّرِّ.

قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} :أَيْ وَزْنَ ذَرَّةٍ، والمراد بالذَّرِّةِ: صِغَارُ النَّمْلِ كما هو معروفٌ، وليس المرادُ بالذَّرَّة الذَّرَّةَ المتعارَف عليها اليوم، وإنَّما ذكر الذَّرَّةَ؛ لأنَّها مَضْرِبُ المَثَلِ في القِلَّةِ.

قال مقاتلٌ: «نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كان أحدُهما يأتيه السَّائلُ فيستقلَّ أن يعطيه التَّمْرَةَ والكسرةَ والجوزةَ، ويقول: ما هذا بشيءٍ، وإنَّما نُؤْجَرُ على ما نعطي ونحن نحبُّه.

وكان الآخرُ يتهاون بالذَّنب اليسير: كالكذبة، والغِيبَةِ، والنَّظرة ويقول: ليس عليَّ مِنْ هذا شَيْءٌ، إنَّما أَوْعَدَ اللهُ بالنَّار على الكبائر».

جاء أعرابيٌّ إلى نبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: عِظْنِي ولا تُطِلْ؟ فقرأ عليه {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} ، فقال: كُفِيتُ. قال - صلى الله عليه وسلم: «فَقُهَ الرَّجُلُ» .

هذا الميزانُ لا يُوجَدُ له شَبِيهٌ في الأرض؛ فغالبُ البَشَرِ لا يذكرون إلاَّ السَّيِّئات، وينسون الحسنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت