فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 581

فَيَأْمُرَ اللهُإِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخَ فِي الصُّورِ، فَيَحْصُلَ التَّدْمِيرُ الشَّامِلُ للكون، ويشترك في هذا التَّدمير الكونُ كلُّه؛ السَّماءُ تتفطَّر، والنُّجوم تتساقط، والكواكب تتناثر، والشَّمس والقمر تُكَوَّرُ وتُلْقَى في البحار فَتُسْجَرَ وتتفجَّر، والأرضُ تَنْدَكُّ، والجبالُ تُنْسَفُ، والنُّفُوسُ تَمُوتُ ولا يبقى إلاَّ وَجْهُ رَبِّكَ.

فاختلف العلماءُ؛ هل تُزَلْزَلُ الأرضُ بعد النَّفْخَةِ الأولى أم الثَّانية؟

والأظهرُأنَّ الزَّلزلةَ تَكُونُ عند قيام السَّاعةِ، والنَّاسُأَحْيَاءٌ؛ لأنَّه لاحَمْلَ، وَلا رَضَاعَ بَعْدَ الموت.

فَزَلْزَلَةُ السَّاعةِ في آَخِرِ عُمُرِ الدُّنيا، وقد بَيَّنَ اللهُ لنا المَخْرَجَ مِنَ الزَّلْزَلَةِ في سورة الحَجِّ قَبْلَ ذِكْرِ الزَّلْزَلَةِ، وهو تَقْوَى الله؛ فهذه الأَرْضُ تَرْجُفُ في آَخِرِ عُمُرِ الدُّنْيَا.

قوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} : «إذا» ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ من الزَّمان، وَفِعْلُ الشَّرْطِ «زُلْزِلَتْ» ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ «تُحَدِّثُأَخْبَارَهَا» .

أَخْبَرَنَا رَبُّنَا مَاذَا سَيَحْصُلُ للأرض وَقْتَ قِيَامِ السَّاعَةِ، بَعْدَأَنْ كَانَتْ سَاكِنَةً مُسْتَقِرَّةً بالجبال الرَّواسي، ويعيش عليها الخَلْقُ.

سَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ تُزَلْزَلُ أَكْبَرَ زِلْزَالٍ يضرب الأرضَ، وتضطرب اضطرابًا شديدًا يتغيَّر معه ما على وجه الأرض، ويخرج ما في بطنها.

زلزالٌ عَظِيمٌ للأرض، ولكلِّ الأرض وليس زِلْزَالًا محدودًابِوَقْتٍ قصيرٍ، ومكانٍ مَحْدُودٍ. يضرب ناحيةً من الأرض، ضُرِبَتْ مُدُنٌ بأحد الزَّلازل فابتلع مُدُنًا بأكملها، وصارت أَثَرًا بعد عَيْنٍ، فكيف إذا كان شاملًا للأرض كلِّها؟

وهذا يكون بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ؛ حيث يَنْدَكُّ كُلُّ صَرْحٍ شَامِخٍ، وينهار كلُّ جَبَلٍ رَاسِخٍ فَوْقَ الأرض، حتَّى تكونَ مِثْلَ المرآة المُصْقَلة، أَوْ كَسَبِيكَةِ الفضَّة؛ أرضًا عَفْرَاءَ بَيْضَاءَ، ليس فيها مَعْلَمٌ لأَحَدٍ.

قوله: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} :تُخْرِجُ الأرضُأثقالَها من الموتى، ومن كنوزٍ ومعادنَ تَلْفِظُهَا عند هذا الهَوْلِ العظيم بعد النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ.

وَيَحْصُلُ من الأمور العجيبة الغريبة ما يندهش له الإنسانُ، كإخراج الأرض ما فيها من موتى، وإلقائها ما في بَطْنِهَا من كنوزٍ ثَمِينَةٍ من ذَهَبٍ وفضَّةٍ، وكانت تُثْقِلُهَا مِنْ كَثْرَتِهَا.

قوله: {وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} :يقول الإنسانُ مُنْدَهِشًا ومتعجِّبًا ومستغربًا من تحرُّكها: مالها؟ أَيْ: يتعجَّب من تحرُّكها كيف كانت ساكنةً؟ فَمِنْ قُوَّةِ نَفْخَةِإسرافيل للصُّور تتحرَّك الأرضُ وَتَرْتَجُّ.

قوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} : فيأتي الجوابُ من الله: {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} ؛ لأنَّ اللهَأَمَرَهَا أَنْ تَشْهَدَ على كلِّإِنْسَانٍ؛ ولذلك بَدَأَتِ السُّورَةُ: إِذَا حَصَلَ كذا، وهو الزِّلْزَالُ.

ماهي النَّتيجة؟ تُخْرِجُ الأَرْضُ مَعَ هَذَا الزِّلْزَالِ المَوْتَى، وَكُنُوزَهَا، وَتُخْبِرُ الأَرْضُ وَتَشْهَدُ بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا.

سُبْحَانَ اللهِ! جَمَادٌ يَتَكَلَّمُ وَيُبْصِرُ.

هذه الأرضُ يَوْمَ القيامة تُخْبِرُ وَتَشْهَدُ بما عُمِلَ عليها، وهذا من عدل الله؛ الأَرْضُ تَشْهَدُ، وأعضاؤه تشهد عليه، والنَّاس يشهدون.

كثر الشُّهُودُ علينا، ونحن غَفَلَةٌ معرضون لاهيةٌ وساهيةٌ وغافلةٌ قُلُوبُنَا.

وشهادتُها على كلِّ إِنْسَانٍ بما عَمِلَ على ظَهْرِهَا. فَفِي الحَدِيثِ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ فَإِنَّأَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَعلى ظَهْرِهَا» .رواه التِّرْمِذِيُّ و فيه ضعف.

كلَّما نزلتَ منزلًا فَتَذْكُرُ هذه الآية؛ فالأماكن الَّتي تذكر فيها الله وتطيعه، سوف تشهد لك؛ فعلى أقلِّ تقديرٍ كفَّارة المجلس.

قد يجد الإنسانُ مَكَانًا يختفي فيه، لكن تأكَّدوا هذه البُقْعَةُ الَّتي يختفي فيها إمَّا شاهدةٌ له بالخير، أو شاهدةٌ عليه بالشَّرِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت