فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 581

والإغارةُ وَقْتَ الصُّبْحِ؛ لأنَّه وَقْتُ غَفْلَةٍ، فمن أَرَادَ النَّيْلَ مِنْ عَدُوِّهِ فليباغته؛ لأنَّ عنصرَ المفاجأة والمباغَتَة من أسبابِ النَّصْرِ.

قوله: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} :النَّقْعُ هو الغبارُ؛ أَيْ: أَثَرْنَ بِعَدْوِهَا الغُبَارَ؛ لأنَّالخيلَ عند الإغارة تُثِيرُ الغبارَ. وفي الحديث: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمٌأَوْ شَحِبَ لَوْنٌ في عَمَلٍ تَبْتَغِي به الدَّرَجَاتِ العُلَاأَفْضَلَ مِنَ الجِهَادِ» لم أقف عليه بهذا اللفظ ى.

و هذا بشَّارُ بْنِ بُرْدٍ و هو رَجُلٌأَعْمَى يصف معركةً قائمةً بين جيشين يقتتلان بالسُّيوف:

كَأَنَّ مَثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنَا *** وَأَسْيَافِنَا كَاللَّيْلِ تَهَاوَى كَوَاكِبُهُ

قوله: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} :فَتَوَسَّطْنَ وَدَخَلْنَ في وَسَطِ جَمْعٍ من الأعداء، فَفَرَّقَتْهُ وَشَتَّتَتْهُ.

وفيها دلالةٌ على أَقْدَامِ الخَيْلِ مع ركابها إلى وَسَطِ العَدُوِّ، و هنا انتهى المُقْسَمُ بِهِ.

وَأَقْسَمَ اللهُ بِخَيْلِ الغُزَاةِ، وَبِصِفَاتِهَا الخَمْسِ؛ تَنْوِيهًا لشأنها، وَعُلُوِّ قَدْرِهَا، والخيلُ مَعْقُودٌ بنواصيها الخَيْرُ إلى يوم القيامة، والخيلُ من دوابِّ الجهاد، وفيها بَأْسٌ، وهي ضَارِيَةٌ، وفيها إِقْدَامٌ، وينبغي الاعتناءُ بها، وتعلُّم الفروسيَّة.

أمَّا على تفسير أنَّ المرادَ بالعاديات الإِبِلُ، وهو تَفْسِيرُ عَلِيٍّ رضي الله عنه؛ فالعادياتُ المُرَادُ بها انْصِرَافُ الإِبِلِ من عَرَفَةَ إلى مُزْدَلِفَةَ.

و {المُورِياتُ} أي: المخرجات للنَّار؛ سواء إبلًا أَوْ خَيْلًا.

و {المُغِيرَاتُ} مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى.

{فَأَثرن به نَقْعًا} يَحْصُلُ مِنَ الإِبِلِ والخَيْلِ.

{فوسطن به جمعا} أَيْ: جَمْعَ مُزْدَلِفَةَ.

والأوَّلُأَظْهَرُ. وقيل في سبب نزولها: قال مقاتلٌ: بَعَثَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً إلى حَيٍّ مِنْ كِنَانَةَ، واستعمل عليهم المُنْذِرَ بْنِ عَمْرٍو الأنصاريَّ، فتأخَّر خبرُهم، فَخَافَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال المنافقون: قُتِلُوا جَمِيعًا.

فَأَخْبَرَ اللهُ - تعالى- عَنْهَا، فَأَنْزَلَ: {وَالعَادِيَاتِ ضَبْحًا} ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذه الآياتِ؛ أنَّهم انتصروا على العدوِّ.

-جوابُ القَسَمِ: أَقْسَمَ اللهُأَنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ جَحُودٌ، فالمُقْسَمُ عليه حَالُ الإِنْسَانِ؛ كَوْنُهُ كَنُودًا، على نفسه، أو بشهادة رَبِّهِ عليه، وَبَخِيلًا؛ لِحُبِّهِ للمال، وكنودًا للنِّعَمِ.

قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} : «الكَنُودُ» فيه ثلاثةُأَقْوَالٍ:

-قيل: «هُوَ الكَفُورُ» .أمَّا كفرانُ النِّعَمِ فلا يشكرها ويجحدها، أو كفرانُ الجحود، فيكذب بكلِّ ما يجب الإيمان به.

-وقيل: «الكفور: هو البَخِيلُ يَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويجيع عَبْدَهُ، ولايعطي في النَّائبة» .

عن بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ- رضي اللهُ عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بَصَقَ في كَفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ ثمَّ قال: قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «بَنِي آَدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَّلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ نَفْسُكَ هَذِهِ ـ وأشار إلى حَلْقِهِ، وفي روايةٍ حتَّى إذا بلغتَ التَّراقيَ-قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ التَّصَدُّقِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وقيل: «الكَنُودُ: اللَّوَّامُ لِرَبِّهِ يعدُّ المصائب وينسى النِّعَمَ» .

فَفِي الحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِإِنِّي رَأَيْتُكُنَّأَكْثَرَأَهْلِ النَّارِ» .

فقالت امْرَأَةٌ: وَلِمَ يا رسولَ الله؟ قال: «بِكُفْرِهِنَّ» . قيل: يَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قال: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» متفق عليه.

أَتَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسولَ الله، ثابتُ بْنِ قَيْسٍ ما أَعِيبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت