فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 581

{قُتِلَالْإِنسَانُمَاأَكْفَرَهُ (17) مِنْأَيِّشَيْءٍخَلَقَهُ (18) } خُلِقَ الإنسانُ مِنْ نُطْفَةٍ، ثمَّ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، فلمَّا أصبح جُثَّةً هَامِدَةً نُفِخَ فيه الرُّوحُ، أَصْبَحَ يَسْمَعُوَيُبْصِرُ وَلَهُ قَلْبٌ يَنْبِضُ، ثمَّ خرج مِنْ بَطْنِ أمِّه، فلا زال يَنْمُو جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ حتَّى بلغ واكتمل عَقْلُهُ، ورُكِّبَتْ فيه الشَّهْوَةُ.

لو تَفَكَّرَ الإنسانُ في أَطْوَارِهِ، لاسْتَشْعَرَ عَظَمَةَ الله، وَعَلِمَ الإنسانُأنَّه مَخْلُوقٌ ضَعِيفٌ، وتحت رحمة خَالِقِهِ.

واستخدم نُوحٌ - عليه السلام - أيضًا - الآياتالمجلوَّة: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَأواتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} .

وفي النِّهَايَةِأَصَرَّ قَوْمُ نُوحٍ على تَكْذِيبِهِ جيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حتَّى كان الأبُ يُوصِي ابْنَهُ عند الوفاةِألاَّ يَتَّبِعَ هذا الرَّجُلَ.

{قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أضلوا كثيرا} .

فَبَعْدَ أن أقام عليهم الحُجَّةَ وأصرُّوا على تكذيبه وَمَكَثَ مُدَّةً طويلةً دعا عليهم: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) } .

وكذلك فَعَلَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الطَّائف؛ قال له المَلَكُ: أُطْبِقُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فقال: «لا» . لكن في المدينة لمَّا حاربوه وأصرُّوا على تَكْذِيبِهِ، ففي «صَحِيحِ البخاريِّ» : «لَمَّا رأى النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قريشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ دَعَا بهذا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ» «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» .

فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ، حتَّى أكلوا الجلود والمَيْتَةَ والجِيَفَ، وينظر أحدهم إلى السَّماء فيرى الدُّخانَ من الجُوعِ.

فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بطاعة الله وبصلة الرَّحِم، وإنَّ قَوْمَكَ قد هلكوا، فَادْعُ اللهَ لهم. «وَفِي رِوَايَةٍ: فَادْعُ الله أن يكشف عنهم» . فَدَعَا، ثمَّ قَالَ: «تَعُودُونَ بَعْدَ هَذَا» .

فأوحى اللهُإِلَى نُوحٍ - عليه السَّلام -أنَّه لن يؤمن من قومك إلاَّ مَنْ قَدْآَمَنَ، وكان عددُهم ثَمَانِينَ رَجُلًا، ثمَّ أَوْحَى اللهُإِلَيْهِ أن اصنع الفُلْكَ.

وَقَالَ له: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} أَيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي إِمْهَالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظلموا أنفسَهم من قومك بكفرهم؛ فإنَّهم مُغْرَقُونَ بالطُّوفان.

أي: لا تَشْفَعْ فيهم حينما يَنْزِلُ عليهم العَذَابُ، {فلمَّا جاء أَمْرُنَا وفار التَّنُّورُ} وهو الَّذي يُخْبَزُ فيه، فإذا فار بالماء فهو بداية الهلاك، احْمِلْ في السَّفِينَةِ من كلٍّ زَوْجَيْنِ وَأَهْلَكَ إلاَّ من سبق عليه القول.

فلمَّا جاء أَمْرُ الله، أَمَرَ اللهُ السَّمَاءَ أن تُفْتَحَ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وتفجَّرت الأرضُ عيونًا، {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} .

رَغْمَ أنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ - عليه السلام - كان تركيبُها بَسِيطًا لكنَّ المُنْجِي هو الله؛ فقد كانت تَجْرِي في موجٍ كالجبال، لكن أبسطُ الأشياء مع رحمة الله تنفع، ومع الأخذ بالسَّبب في ذلك؛ لأنَّ الله قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} .

ومهما كانت الأسبابُ بل وأقوى الأشياء مع عذاب الله لا تنفع؛ فقد قال ابنُ نُوحٍ: سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي من الماء، فقال نُوحٌ: لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْأَمْرِ الله إلاَّ مَنْ رَحِمَ.

{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} .

ولكنَّ نُوحًا نادى ربَّه فقال: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} .

ولكنَّه نَسِيَ: {إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} فَعَاتَبَهُ رَبُّهُ في هذا النِّداء وقال: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: الصَّالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت