فهرس الكتاب
قوله: {وَهَذَاالْبَلَدِالْأَمِينِ} :المرادُ به مَكَّةُ، سُمِّيَأمينًا من كلِّ خَوْفٍ؛ لأنَّه حُرِّمَ كما في قول الله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} .
فَهُوَ حَرَمٌآَمِنٌ لا يُسْفَكُ فيه دَمٌ، ولا يُعْضَدُ شَجَرُهُ، ولا يُقْتَلُ صَيْدُهُ، ولا يُحَشُّ حَشِيشُهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ.
وَجَمَعَ اللهُ فيه أَسْبَابَ الأَمْنِ؛ أَمْنِ المكان، والغذاء، والدَّواء؛ «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آَمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» . [التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ] .
فَزَمْزَمُ طَعَامُ طعمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ؛ فالطَّعَامُ، والشَّرَابُ، والدَّوَاءُ، والأَمْنُ، مكفول بالحرم، وتمَّت بِبَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - النِّعْمَةُ بالإيمان.
قوله: {لَقَدْخَلَقْنَاالْإِنْسَانَفِيأَحْسَنِتَقْوِيمٍ} :شَامِلٌ لِخَلْقِ الإِنْسَانِ حِسًّا وَمَعْنًى.
فَحِسًّا أَيْ: شَكْلًا وَصُورَةً؛ فَعِنْدَ كَثِيرٍ من المفسِّرين منتصبُ القامة معتدلُها.
وَمَعْنًى: هِيَ النَّفْسُ الَّتي يَحْيَا بها الإنسانُ؛ خُلِقَتْ عَلَى فِطْرَةِ الدِّينِ.
فلا يُوجَدُ أَحَدٌ من المخلوقات أَحْسَنُ مِنْ بَنِي آَدَمَ خِلْقَةً.
عن عَلِيٍّ رضي الله عنه: «دَوَاؤُكَ مِنْكَ وَلَا تَشْعُرُ، وداؤك منك ولا تُبْصِرُ، وَتَزْعُمُ أنَّك جِرْمٌ صَغِيرٌ، وفيك انطوى العالَمُ الكبيرُ» .
ومعناه أنَّ الإنسانَ وَإِنْ كَانَ صَغِيرَ الجِسْمِ وَالشَّأْنِ بالنِّسبة للكون، لكنَّ الكَوْنَ وَعَظَمَةَ الخَلْقِ تَجَلَّتْ فيه.
وإذا تَبَيَّنَ لنا أنَّ اللهَ خَلَقَنَا في أحسن صورةٍ- وهذا يستدعي منَّا الشُّكْرَ- إذن فَبَعْدَ أن يذكر نعمةَ الله عليه ماذا يفعل؟ يشكر الله على ذلك بحسن العمل، وإذا لم يُحْسِنِ العملَ فَسَيُرَدُّإلى أسفل سافلين.
قوله: {ثُمَّرَدَدْنَاهُأَسْفَلَسَافِلِينَ} :على أَحَدِ تَفْسِيرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أنَّ اللهَ يَرُدُّهُ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، فَيُرَدَّ إلى الكِبَرِ، والهِرَمِ، وَضَعْفِ الجسم، والعقل.
وَلَكِنْ يَسْتَوِي فيه المؤمنُ والكافرُ؛ الكلُّ قد يدركه الهِرَمُ إذا طال عُمُرُهُ؛ {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} ، {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} .
عُمُرُ الإنسان له مَرَاحِلُ، قَبْلَ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَبَعْدَ أن يخرج في الطُّفولة، ثمَّ الشَّباب، ثمَّ الكهولة، ثمَّ الشَّيخوخة، ثمَّ أرذل العمر، فيكون كَلاًّ على أهله، ثقيلًا بينهم، يتمنُّون موتَه، فيعود إلى حياة الطُّفولة، ضَعِيفِ القوَّة، ضَعِيفِ العَقْلِ.
إنَّ الثَّمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان.
ومعنى {أَسْفَلَسَافِلِينَ} هِرَمُهُ، وضعفُه، وضعفُ حواسِّه، وعدمُ قدرته على الأعمال، فصار تقديرُه: لكن من كان يعمل صالحًا، فإنَّا لا نقطع ثوابهم وأجورهم بسبب ضعفهم.
وقيل: «معنى {رَدَدْنَاهُأَسْفَلَسَافِلِينَ} الَّذي كفر وعصى الله يَرُدُّهُ إلى النَّار أسفل سافلين؛ بسبب كفره؛ عقوبةً له» .
وهذا المعنى أَقْوَى وَأَظْهَرُ من القول الأوَّل؛ لأنَّ كِبَرَ السِّنِّ لا يختصُّ به الكافر.
قوله: {إِلَّاالَّذِينَآَمَنُوا} :هذا الاستثناءُ يؤكِّد المرادَ بالآية السَّابقة أنه الكافر، وعليه لا يكون إيمانٌ بدون عملٍ صالحٍ.
ومن لا يعمل، ليس بمؤمنٍ، ومن آَمَنَ وَعَمِلَ صالحًا، فلهم أَجْرٌ غير ممنونٍ؛ أَيْ: غَيْرَ مقطوعٍ، ودائمًا.
قوله: {فَمَايُكَذِّبُكَبَعْدُبِالدِّينِ} :هنا استدلَّ بالبداءة على الإعادة.
ما هو السَّبب الَّذي جعلك تكذِّب بيوم الدِّين؟ فالله يبدأ الخَلْقَ ثمَّ يعيده، فما سببُ تكذيبك بالجزاء؟
بعد هذه الأدلَّة فَمَنْ خَلَقَأوَّلَ مَرَّةٍ، قَادِرٌ على الإعادة مرَّةًأُخْرَى.
فالحُجَّةُ الأولى استدلَّ بالبَدَاءَةِ على الإعادة.
والحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أليس اللهُ بأحكم الحاكمين؟