فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 581

ثمَّ ذَكَرَ - سبحانه -الأدلَّةَ الدَّالَّةَ على عظمته وقدرته، وهي أربعةُأُمُورٍ؛ عَامَّةُ الخلق، والتَّسويةُ، والتَّقديرُ، والهدايةُ.

ثمَّ ذكر- سبحانه - تكفُّلَه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يحفظَ القرآنَ فلا ينساه، ثمَّ ذَكَرَ- سبحانه - وَعْدَهُ بِتَيْسِيرِأمورِه كلِّها، وتيسير شريعته، ثمَّأَمَرَهُ بالتَّذكير بالقرآن، والتَّبليغ عمومًا.

وسوف يتَّعظ بِهَدْيِهِ المتَّقون، ويُعْرِضُ عنه الأشقياءُ، والواقعُ يكشف المقدورَ، ثمَّ ختمت السُّورةُ بِذِكْرِ جزاء وعقوبة من أعرض وكفر، وَجَزَاءِ وَثَوَابِ مَنْ زكَّى نفسَه بالتَّوحيد والطَّاعات، وأنَّأَعْظَمَ سَبَبٍ لهلاكمَنْ هَلَكَ حُبُّ الدُّنيا.

قوله: {سَبِّحِاسْمَرَبِّكَالْأَعْلَى} : أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - وأُمَّتَهُ تَبَعٌ لَهُ - ان يسبِّحَه؛ فلا يذكره إلاَّ بالإجلال والإكبار، وأن يُنَزِّهَهُ عمَّا لا يليق به من الشَّريك والنِّدِّ.

قيل: «نَزِّهْ جَمِيعَأسماء الله؛ أَيْ عظِّمْها، ونزِّهْهَا، وادعوا اللهَ بها» .

وقيل: «سَبِّحْ رَبَّك؛ أَيْ: نزِّه ربَّك، فَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الأعلى، حتَّى يَجْمَعَ بين التَّعظيم الفعليِّ والقوليِّ» .

وقيل: «سَبِّحْ رَبَّكَ؛ أَيْ: صَلِّ له» .

قوله: {الْأَعْلَى} :صِفَةٌ للرَّبِّ؛ أَنَّ رَبَّكَ هو الأعلى، وهي دالَّةٌ على علوِّه وَعَظَمَتِهِ، والعلوُّ لله علوُّ الذَّاتِ، والقَهْرِ، والقَدْرِ؛ فهو مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ، بَائِنٌ عن خَلْقِهِ، وهو فَوْقَ مخلوقاته.

هذه الآياتُ الأَرْبَعُ تَعْرِيفٌ بالله، حتَّى يتمَّ تعظيمُهُ، وَتَعْظِيمُ اسْمِهِ.

افتتح اللهُ هذه السُّورَةَ بِأَنْأَمَرَنَا أَنْ نُنَزِّهَهُ وَنُعَظِّمَهُ عن كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وأنَّ له العُلُوَّ والعَظَمَةَ، فله عُلُوُّ الذَّات، والقهر، والقَدْرِ، فيعظِّم الله بقوله، وَقَلْبِهِ، وقالبه، ثمَّ ذَكَرَ لنا بَعْدَهَا الأدلَّةَ الدَّالَّةَ على عظمته وقدرته.

قوله: {الَّذِيخَلَقَفَسَوَّى} :خلق كلَّ مخلوقٍ؛ فَمَنَّ بالإيجاد أوَّلًا، ثمَّأَتْقَنَ خَلْقَهَا وَأَحْسَنَ تَسْوِيَتَهَا؛ فَهُوَ وَحْدَهُ المتفرِّدُ بالخَلْقِ والإيجاد.

لمَّا سمع عمرُ بنِ الخطَّاب: {أَلَالَهُالْخَلْقُوَالْأَمْرُ} قال: ما بَقِيَ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ.

أَعْظَمُ شَيْءٍ الخَلْقُ، وهو من خصائص الله وَحْدَهُ الدَّالَّةِ على عظمته وَقُدْرَتِهِ.

قوله: {فَسَوَّى} :خَلَقَ كلَّ مَخْلُوقٍ مَعَ تَسْوِيَةِ خَلْقِهِ في أحسن تَقْوِيمٍ.

أَتْقَنَ المخلوقات وَأَحْسَنَ خَلْقَها، أي: عَدَّلَ المخلوقات، فَسَوَّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، وَوَازَنَهَا، وَجَعَلَ كلَّ شَيْءٍ سَوِيًّا في خَلْقِهِ، وفي أعضائه، وفي جِسْمِهِ، فَجَعَلَهُ مُتَوَازِنًا معتدلًا.

قوله: {وَالَّذِيقَدَّرَفَهَدَى} : اللهُ قَدَّرَ الأَشْيَاءَ كلَّها على مقتضى حكمته، وهداها لمنافعها ومصالحها.

فَبَعْدَأَنْ خَلَقَهَا وأَحْسَنَ خِلْقَتَهَا، هَدَاهَا لِمَصَالِحِهَا؛ فاللهُ - سبحانه - خَلَقَ الأَشْيَاءَ، وَقَدَّرَهَا بِمَقَادِيرِهَا، وَأَحْجَامِهَا، وَوَازَنَهَا؛ فلا تَفَاوُتَ بينها، وهدى - أَيْ دَلَّ - كلَّ مخلوقٍ إلى مَصَالِحِهِ وَمَنَافِعِهِ دُونَأَنْ يَعْلَمَ؛ هو بفطرته يستدلُّ على مصالحه ومنافعه.

فبيَّن- سبحانه -أنَّه هو مَنْ مَنَّ بالإيجاد، وأتقن المخلوقات، وقدَّر الأشياءَ على مقتضى حِكْمَتِهِ، وَهَدَى هذه المخلوقات لمصالحها ومنافعها.

وَبَيَّنَ بَعْدَهَا خَلْقَ النَّباتات مِنْ نَاحِيَةِإحيائها بَعْدَ موتها، وفنائها بعد إحيائها.

قوله: {وَالَّذِيأَخْرَجَالْمَرْعَى} :تَذْكِيرٌ بِخَلْقِ النَّباتات، وفيها التَّذكيرُ بِفَنَائِهَا بَعْدَإحيائها.

الأَرْضُ يَابِسَةٌ؛ فإذا أَنْزَلَ عليها المَاءَ، اهتزَّت وأنبتت من كلِّ زَوْجٍ بهيجٍ؛ على اختلاف أنواعها، وَرَوَائِحِهَا، وَطُعُومِهَا.

قوله: {فَجَعَلَهُغُثَاءًأَحْوَى} :بَعْدَ الخُضْرَةِ والبَهْجَةِ يُصْبِحُ يَابِسًا، ثمَّ يصير هَشِيمًا أَسْوَدَ.

فَمَعْنَى {غُثَاءً} أَيْ: يَابِسًا، ومعنى {أَحْوَى} أَسْوَدُ. فجعله بعد الخُضْرَةِ والنُّضْرَةِ هشيمًا بين السَّواد والبياض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت