فهرس الكتاب
بَيَّنَ لنا فيه - صلى الله عليه وسلم - أنَّنا لو أَفْنَيْنَا العُمُرَ كلَّه منذ الولادة إلى الوفاة في طاعة الله المتوالية، لاحتقرنا ذلك يَوْمَ القيامة عندما نُحَاسَبُ، وَيُقَارَنُ هذا بالنِّعَمِ الَّتي أعطانا اللهُ إيَّاها.
فما الحالُ إذا كانت الطَّاعاتُ مَوْسِمِيَّةً، إذا كانت الطَّاعاتُ مُؤَقَّتَةً، إذا كانت الطَّاعَاتُ مَحْدُودَةً أو قَصِيرَةً.
قوله: {فَيَوْمَئِذٍلَايُعَذِّبُعَذَابَهُأَحَدٌ} :أي لا يعذِّب أَحَدٌ أَحَدًا كعذاب الله، ولا يُوثِقُ أَحَدٌ أَحَدًا كَوِثَاقِ الله، فَيُوثَقَ الكفَّارُ بالسَّلاسِلِ والأغلال، وَيُسْحَبُونَ بها.
قوله: {يَاأَيَّتُهَاالنَّفْسُالْمُطْمَئِنَّةُ} :أي النَّفْسَ المؤمنةَ السَّاكنةَ بطاعة الله؛ لأنَّها تَطْمَئِنُّ بذكر الله وطاعته، وتنادى بهذا عِنْدَ الموت، وَعِنْدَ البَعْثِ، والقيام من القبور بالنَّفس المطمئنَّة؛ إكرامًا لها.
لاتَزَالُ حَلاوَةُ وَبُشْرَى الجنَّة في قَلْبِ المؤمن حتَّى يدخل الجنَّة، ويؤكِّد هذا قِرَاءَةُأُبَيٍّ: {يأَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمنة الْمُطْمَئِنَّةُ} ؛ فيقال لها عند الموت وعند البعث.
النُّفُوسُ ثلاثةٌ:
1 -نَفْسٌ مطمئنَّةٌ: وهي الَّتي قرينُها المَلَكُ، أَحَبَّتِ الخَيْرَ، واطْمَأَنَّتْ به، وَكَرِهَتِ الشَّرَّ وَأَبْغَضَتْهُ؛ فلو عَرَضَ لها أيُّ خَيْرٍ، قَبِلَتْهُ، ولو عُرِضَ عليها أيُّ شَرٍّ، كَرِهَتْهُ، امتلأ القلبُ بالخير، فإذا جاء الشَّرُّ، لم يَجِدْ مَكَانًا فيه .. قَلْبٌ صَحِيحٌ.
2 -النَّفس الأمَّارةُ بالسُّوء: وهي الَّتي قَرِينُهَا الشَّيطانُ؛ أَحبَّت الشَّرَّ، واطمأنَّت به، وأبغضت الخيرَ وَكَرِهَتْهُ؛ امتلأ القَلْبُ بالشَّرِّ، فإذا جاء الخيرُ، لَمْ يَجِدْ مَكَانًا فيه، وقلبُه ميِّتٌ.
3 -النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ. وهي الَّتي قرينُها مَلَكٌ وشيطانٌ؛ أَحَبَّتْ شَيْئًا من الخير، وَأَبْغَضَتْ شَيْئًا من الخير، وكرهت شيئًا من الشَّرِّ، وأحبَّت شيئًا من الشَّرِّ، فتمدَّها مادَّتان؛ إيمانٌ وَنِفَاقٌ.
وَسُمِّيَتْ لَوَّامَةً؛ لأنَّها تلوم صاحبَها على ترك الطَّاعات، وعلى الوقوع في المحرَّمات، والحربُ فيها سِجَالٌ، وهذا قلبُه مَرِيضٌ خَلَطَ عملًا صالحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا.
قوله: {ارْجِعِيإِلَارَبِّكِ} : أي إلى ربِّك وَخَالِقِكِ.
وقيل: ارْجِعِي أَيِادْخُلِي في أَجْسَادِ عبادي، كَقِرَاءَةِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ؛ {فِي جسد عبدي} .
قال سعيدُ بْنِ جُبَيْرٍ رحمه الله: «مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بالطَّائف فجاء طَيْرٌ لم يُرَ على خَلْقِهِ، فَدَخَلَ نَعْشَهُ ثمَّ لم يُرَ خَارِجًا منه، فلمَّا دُفِنَ تُلِيَتْ هذه الآيةُ على شفير القبر ما يُدْرَى من تلاها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} » .
وقال الحافظُ مُحَمَّدُ بْنِ المُنْذِرِ الهرويُّ المعروف بشكَّر في كتابه بسنده إلى قباثِ بن رزين أبي هاشم قال: «أُسِرْتُ في بلاد الرُّوم، النَّصَارَى أَسَرُوا مُسْلِمِينَ، فَجَمَعَنَا المَلِكُ مَلِكُ النَّصارى، وَعَرَضَ علينا دِينَهُ على أنَّ مَنِ امْتَنَعَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فارتدَّ ثلاثةٌ من المسلمين، وجاء الرَّابع فامتنع؛ أَيْ: عن الدُّخول في دين النَّصارى، وَبَقِيَ على إسلامه، وَثَبَتَ، وَصَبَرَ.
فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وأُلْقِيَ رأسُه في نهرٍ هناك، فَرَسَبَ في الماء، ثمَّ طفا على وَجْهِ الماء، ونظر إلى أولئك الثَّلاثة، هذا الرَّأْسُ المقطوعُ أَقْبَلَ بالوجه على الثَّلاثة، فقال: يا فلانُ ويا فلانُ ويا فلانُ - يناديهم بأسمائهم - قال اللهُ - تعالى - في كتابه: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَأدخلي فِي عِبَادِي * وَادخلي جنتي} [سورة الفجر: 27 - 30.
ثمَّ غَاصَ في الماء. قال: «فَكَادَتِ النَّصارى أَنْ يُسْلِمُوا، وَوَقَعَ سَرِيرُ المَلِكِ، ورجع أولئك الثَّلاثةُ إلى الإسلام» . قال: «وَجَاءَ الفِدَاءُ مِنْ عِنْدِ الخليفة أبي جعفر المنصور فخلَّصها» .
والمقصودُ أيُّها الإِخْوَةُ من هذا القصص أنَّ الثَّبَاتَ على الدِّين والعلم، الثَّبَاتَ على السُّنَّة، حتَّى لو دَفَعَ الإنسانُ حَيَاتَهُ ثَمَنًا لها.
قوله: {رَاضِيَةً} بما أَعَدَّ اللهُ لها.
قوله: {مَرْضِيَّةً} :أَيْ مَرْضِيَّةً من الله بما عَمِلَتْ وَآَمَنَتْ.