فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 581

وفيها لَفَتَ اللهُ نَظَرَ هذا المتباهي، والمفتخر بأنَّه أَنْفَقَأَمْوَالَهُ في الشَّرِّ، أنه لو أَنْفَقَ مَالَهُ في الخير وفيما يُنْجِيهِ مِنَ النَّار والعقبة، لَكَانَ خَيْرًا لَهُ.

ومع الأسف الشَّديد لازال هناك أُنَاسٌ كَثِيرٌ ينفقون أموالًا طَائِلَةً في الباطل، وفي الحرام، وفيما يضرُّهم ولا ينفعهم؛ فَبَدَلًاعن أَنْ يُعْطُوا فقيرًا أو مسكينًا، أنفقوها في المباهاة، والخيلاء، والإسراف، وفي الباطل.

قوله: {وَمَاأَدْرَاكَمَاالْعَقَبَةُ} : وما أَدْرَاكَ مَا النَّجَاةُ مِنَ العَقَبَةِ والنَّار.

فَذَكَرَ عِدَّةَأَعْمَالٍ مِنَ البِرِّ مَنْ فَعَلَهَا فَقَدِ اقتحم العَقَبَةَ؛ فَكَّ رَقَبَةٍ، والإِطْعَامَ، والإِيمَانَ.

فأمَّا {فَكُّ رَقَبَةٍ} : أَيْأنَّه أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ.

فعن أبي هريرة - رضي اللهُ عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» . أخرجه البخاريُّ.

{أَوْإِطْعَامٌفِييَوْمٍذِيمَسْغَبَةٍ} أَيِ: المَجَاعَةَ، الإطعامُ في المَجَاعَةِ عَمَلٌ عَظِيمٌ، ثمَّ لو كان هناك مَجَاعَةٌأيُّهم أَعْظَمُ أَجْرًا؛ فافضلهم يَتِيمٌ قَرِيبٌ أو فَقِيرٌ ليس معه شَيْءٌ؟

ومن تأمَّل أَحْوَالَ اللاَّجِئِينَ؛ خَرَجُوا من بيوتهم، فيهم اليَتِيمُ، والفَقِيرُ الَّذي ترك كُلَّ شَيْءٍ في سبيل النَّجاة بنفسه.

{يَتِيمًاذَامَقْرَبَةٍ} : المَقْرَبَةُ أَيِ: القَرَابَةَ. أَيْ: يتيمًا مِنْ ذَوِي القَرَابَةِ يَجْتَمِعُ فِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ.

{أَوْمِسْكِينًاذَامَتْرَبَةٍ} :المَتْرَبَةُ هي الفَقْرُ؛ أَيْ: فَقِيرًا مُعْدَمًا لا شَيْءَ عِنْدَهُ، فأصبح مسكينًا يجلس على التُّرَابِ، ليس معه شَيْءٌ .. هذه الأَعْمَالُ تُنْجِي من النَّارِ.

قوله: {ثُمَّكَانَمِنَالَّذِينَآَمَنُوا} : ليس معناه أنَّه صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مؤمنًا، بل المعنى: وكان مع ذلك مؤمنًا، ثمَّ كان مع فِعْلِ أَعْمَالِ البِرِّ، كان مع ذلك مؤمنًا بالله؛ لأنَّ الإيمانَ أَصْلُ كلِّ طَاعَةٍ، وَأَسَاسُ كلِّ خيرٍ.

فَشُرُوطُ قَبُولِ العَمَلِ ثَلاثٌ؛ إيمانٌ، وإخلاصٌ، وَمُتَابَعَةٌ.

قوله: {وَتَوَاصَوْابِالصَّبْرِ} :أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بالصَّبر، والمراد بالصَّبر أنواعُه الثَّلاثةُ؛ الصَّبْرُ على طاعة الله، وعن مَعَاصِيهِ وَأَقْدَارِهِ، ولا يكفي الصَّبْرُ على طاعة الله فقط؛ فَقَدْ يَصْبِرُ البَعْضُ على الطَّاعات، ولكن لا يَصْبِرُ عن المَحَارِمِ، أو على أَقْدَارِ الله المُؤْلِمَةِ.

اخْتَصَرَ اللهُ هذه الدُّنيا بكلمةٍ واحدةٍ: {وَالْمَلَائِكَةُيَدْخُلُونَعَلَيْهِممِّنكُلِّبَابٍ (23) سَلَامٌعَلَيْكُمبِمَاصَبَرْتُمْ} .

صَبَرْتُ وَمَنْ يَصْبِرْ يَجِدْ غِبَّ صَبْرِهِ *** أَلَذَّ وَأَحْلَى مِنْ جَنَى النَّحْلِ فِي الفَمِ

قوله: {وَتَوَاصَوْابِالْمَرْحَمَةِ} :أي بالتَّراحم فيما بينهم، فارحم الضُّعَفَاءَ الَّذين لا نَاصِرَ لهم، والفقيرَ، والمظلومَ، والمريضَ.

أَخْرَجَ البُخَارِيُّ عن سَعْدِ بنِأَبِي وَقَّاصٍأنَّهُ رَأَى أنَّ له فَضْلًا على مَنْ دُونَهُ في القتال، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ؟» رواه أحمد و الطبراني.

وعند النَّسَائِيِّ: «إِنَّمَا تُنْصَرُ هذه الأُمَّةُ بِضَعِيفِهَا؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ» .

حتى رَحْمَةُ الحيوان، فقد كَتَبَ الله الإِحْسَانَ على كلِّ شَيْءٍ؛ «ارْحَمْ تُرْحَمْ» فَارْحَمْأَبَوَيْكَ فهما أولى الخلق بالرحمة، يقول اللهُ تعالى: {وَاخْفِضْلَهُمَاجَنَاحَالذُّلِّمِنَالرَّحْمَةِ} وَارْحَمْ زوجتَك، وأبناءَك، والخدمَ، والعمَّالَ، وكلَّ مَنْ تَحْتَ يَدِكَ.

امْرَأَةٌ رَحِمَتْ كَلْبًا، فَسَقَتْهُ؛ فَشَكَرَ اللهُ لها، فَغَفَرَ لها، وَامْرَأَةٌأُخْرَى حَبَسَتْ هِرَّةً، فَلَمْ تَرْحَمْهَا؛ فَدَخَلَتِ النَّارَ.

فَبِقَدْرِ ما تَرْحَمُ النَّاسَ، يَرْحَمُكَ اللهُ؛ «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» . رواه الطَّبَرَانِيُّ.

وفي المقابل: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِيٍّ» . رواه أبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ. «مَنْ لا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» متَّفقٌ عليه.

قوله: {أُولَئِكَأَصْحَابُالْمَيْمَنَةِ} :أَيِ المَوْصُوفُونَ بهذه الصِّفات من أصحاب الميمنة، وهم أصحاب اليمين الَّذين يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنَّة؛ فَأَهْلُ اليمين عنوان السُّعداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت