وأعمامُ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - انْقَسَمُوا في معاملته ومعاملة ربِّه - عَزَّ وَجَلَّ - إلى ثلاثة أقسامٍ:
-قِسْمٍ آَمَنَ بِهِ وَجَاهَدَ معه، وَأَسْلَمَ لله ربِّ العالمين؛ كالعبَّاسِ وَحَمْزَةَ.
-قِسْمٍ سَانَدَ وَسَاعَدَ، لكنَّه بَاقٍ على الكفر، وهو أبو طالبٍ.
فكان أَخَفَّأَهْلِ النَّار عذابًا، وكان أَهْوَنَ مِمَّنْ عَانَدَ، وَأُثِرَتْ مَوَاقِفُهُ السَّيِّئَةُ على دعوة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.وَقِسْمٌ عَانَدَ وَعَارَضَ، وهو كَافِرٌ، وهو أَبُو لَهَبٍ، فقد كان مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَذِيَّةً له، وَبُغْضًا له، وازدراءً به، وتنقُّصًا له ولدعوته، ومات على كفره بعد وقعة بدرٍ، ولم يَحْضِرْهَا، بل أَرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فلمَّا بَلَغَهُ ما جرى لِقُرَيْشٍ مات غمًّا.
وَجَمَعَ مع الكُفْرِ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ الله، والبُغْضَ والأَذِيَّةَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَتَضَاعَفَتْ عَلَيْهِ العقوباتُ، وَنَزَلَتْ فِيهِ سُورَةٌ تُبَيِّنُ هَلاكَهُ، وَخَسَارَتَهُ في الدُّنيا والآخرة، وَقُرِنَتْ به زَوْجَتُهُ؛ لأنَّها كانت تُعَاوِنُهُ على ذلك.
قوله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} :فيها دعاءٌ وَخَبَرٌ؛ أمَّا الدُّعَاءُ فَتَبَّتْ يَدَا؛ أَيْ هَلاكًا له وَخَسَارَةً. دُعَاءٌ عليه من الله، وَعَبَّرَ باليَدَيْنِ لأنَّهما أداةُ الكَسْبِ والاكتساب.
{وَتَبَّ} خَبَرٌ؛ أَيْ: عَمَّا سَيُحَقَّقُ لَهُ في الدُّنيا والآخرة.
وَعَبَّرَ عنه بالماضي لِتَحَقُّقِهِ.
{أَبِي لَهَبٍ} : هذا اللَّقب «أبو لهبٍ» لَقَبٌ مُنَاسِبٌ تمامًا لحاله وَمَآَلِهِ، واسْمُهُ عَبْدُ العُزَّى.
وَسُمِّيَأَبَا لَهَبٍ؛ لأنَّه كان وَضِيءَ الوَجْهِ جَمِيلًا؛ فَسُمِّي أبا لَهَبٍ لِحُمْرَةِ وَجْهِهِ.
وَمِنْ كُفْرِهِ وَشِدَّةِ عَدَاوَتِهِ وَبُغْضِهِ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان نبيُّنا يعرض نفسَه على قبائل العرب في الحجِّ في منازلهم ويبلِّغهم رسالةَ الله، وأبو لهبٍ يُتَابِعُهُ، وَيُكَذِّبُهُ وَيَقُولُ: أنا عَمُّهُ، لا تُصَدِّقُوهُ؛ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ.
هكذا كان يفعل مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
وعن ابن عبَّاسٍ قال: صَعِدَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا فَقَالَ: «وَاصَبَاحَاهُ!» ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فقالوا له: ما لَكَ؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتُكم أنَّ العدوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ قالوا: بلى.
قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» .
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تبًّا لك، ألهذا دعوتَنا جميعًا؟!
فَأَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} إلى آخرها.
فكان هذا الرَّجُلُ يَسْخَرُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحقِّره ويُبْغِضُهُ وينفِّر النَّاسَ عنه.
قوله: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} : لأنَّه كان غنيًّا، لكن هذا الغِنَى لا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ لَمَّا كَفَرَ وَعَانَدَ.
اختلفوا في معنى «ما» هل هي استفهاميَّةٌ أو نَافِيَةٌ؛ فإن كانت استفهاميَّةً فهي بمعنى أيُّ شَيْءٍ أَغْنَى عنه؟ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ؟ والجوابُ: لا شَيْءَ.
وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً فهي بمعنى «لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ شَيْئًا» .
وأيًّا ما كان الأَمْرُ فلا منافاةَ بينهما؛ فالآَيَةُ تَشْمَلُ الأَوْلادَ، وَتَشْمَلُ المَالَ المُكْتَسَبَ، وَتَشْمَلُ ما كَسَبَهُ مِنْ شَرَفٍ وَجَاهٍ.
كلُّ ما كسبه ممَّا يزيده شرفًا وعزًّا، فإنَّه لا يُغني عنه شيئًا.
قوله: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} : توعَّده اللهُ بالنَّار الَّتي تُوقَدُ ولا تُطْفَأُ، وَسَيُقَاسِي حَرَّهَا وَلَهَبَهَا.
أخبر اللهُأنَّه سَيَدْخُلُ النَّارَ، فتحقَّق فيه عِلْمُ الله، فمات كافرًا؛ لِعِلْمِ الله السَّابِقِ فيه أنَّه سيستمرُّ على كفره وعناده للحقِّ.
وهذا يعطينا أنَّ القَرَابَةَ، والنَّسَبَ، والجمال، َ والمالَ لا ينفع الإنسانَ مَعَ الكفر.
فإنَّ الأَسْبَابَ كُلَّهَا تَنْقَطِعُ يَوْمَ القيامة، إلاَّ ما كان منها متَّصلًا بالله وَحْدَهُ على أيدي رُسُلِهِ.