فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 581

هذه السُّورَةُ الجَلِيَّةُ العظيمةُتتحدَّث عن توحيد الله العلميِّ الاعتقاديِّ، تَضَمَّنتتَنْزِيهَ الله عمَّا لايَلِيقُ به من الشِّرك، والكفر، والولد، والوالد.

فَنَفَى الشَّريكَالمُطْلَقَ له، وإنَّهُإِلَهٌأَحَدٌ صَمَدٌ، الَّذي اجتمعت له صفاتُ الكمال كلُّها، ولم يَلِدْ؛ فيكونَ لَهُ فَرْعٌ، وَلَمْ يُولَدْ؛ فَيَكُونَ لَهُأَصْلٌ.

وَنَفَى الكُفْءَ فيكونَ لَهُ نَظِيرٌأَوْ شَبِيهٌأَوْ مَثِيلٌ.

فتضمَّنت السُّورَةُإِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لَهُ، وَنَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، وَنَفْيَإِثْبَاتِ شَبِيهٍأَوْ مَثِيلٍ له؛ لِكَمَالِهِ، وَنَفْيَ مُطْلَقِ الشَّريك عنه.

هذه السُّورَةُتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن، وَتَكَادُ تَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ، ولمَّا كان العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إِمَامُهُ وَسَائِقُهُ وَقَائِدُهُ والحَاكِمُ عليه، كانت هذه السُّورَةُ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن.

فَكَيْفَ ذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا، وكثرة حروف القرآن، فكانت تعدل ثُلُثَ القُرْآَنِ؟

لأنَّها تُخْبِرُ عن صفات الله وَبِحَقِّ الله، ولا يزول الشِّرْكُ العَمَلِيُّإلاَّ بالعلموالحُجَّةِ؛ لأنَّ القرآنَ باعتبار معانيه ثلاثةُ أَثْلاثٍ: ثُلُثُ تَوْحِيدٍ، وَثُلُثُ قَصَصٍ، وَثُلُثُ أَمْرٍ وَنَهْيٍ.

فكانت كلُّها تتحدَّث عن صفات الله، فصارت تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن، فَهِيَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن؛ لاختصاصها بحقِّ الله في ذاته، وصفاته من الوحدانيَّة، والصَّمديَّة، وَنَفْيِ الفرع والأصل، ونفي الكفءِ، وكلُّها صِفَاتٌ اختصَّ اللهُ بها وَحْدَهُ.

(2) - وسُمِّيَتْ بالإخلاص: لأنَّها قد تجرَّدت للتَّوحيد؛ والصِّفات؛ لأنَّ قَائِلَهَا أَخْلَصَ التَّوْحِيدَ لله.

وقيل: إنَّها خَالِصَةٌ لله؛ فَلَيْسَ فِيهَا أَحْكَامٌ، ولا أَخْبَارٌ.

والصَّحِيحُأنَّها تَجْمَعُ الأَمْرَيْنِ.

ومن حقَّق توحيدَالله في ذاته، وتَوْحِيدَهُ في أسمائه وصفاته وفي أفعاله وربوبيَّته، حَصَلَ له الإيمانُ الكاملُ.

ومن المؤسف حقًّا أنَّ أَحَدَ المشائخ اسْتَضَافَهُ رَجُلٌ تَجَاوَزَ السَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَوَجَدَ أمامه شاشةَ الأَسْهُمِ، وكان فيها رُمُوزٌ كثيرةٌ فَسَأَلَهُ عنها فقال المُسِنُّ للشَّيخ: «وأنت في هذا السِّنِّ ما تعرف شَيْئًا» . فقال له الشَّيْخُ: «مُمْكِنٌ تعطينا معنى اللهُ الصَّمَدُ» فقال: لا أَدْرِي. فالكلُّ يقرأها ولكن الكثيرُ يجهل معانيها.

(3) - سبب نزولها: ثَبَتَ عند الحاكم عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍأنَّ المشركين قالوا: صِفْ لنا ربَّك الَّذي تدعونا إليه؛ فنزلت هذه السُّورة.

وَقِيلَ: «ثَبَتَ عند البيهقيِّ في «الأسماء والصِّفات» عن ابن عبَّاسٍأنَّ اليَهُودَ قالوا: صِفْ لنا ربَّك الَّذي تَعْبُدُ؛ فَنَزَلَتْ.

قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} :كَلِمَةُ الله معناها: ذو الألوهيَّة والعبوديَّة على جميعِ خَلْقِهِ، قال الله تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} .

قوله: {أَحَدٌ} : من معاني أَحَدٍ وَاحِدٌ، ولكن كلمةُ أَحَدٍ أَعَمُّ في النَّفْيِ؛ فَلَو قُلْنَا ليس في البيت ولا وَاحِدٌ، قد يكون هناك اثنان أو أكثر.

وإذا قلنا ليس في البيت أَحَدٌ، فإنَّ أَحَدَ أَعَمُّ في النَّفْيِ مِنْ وَاحِدٍ، وَأَبْلَغُ، وهي تدلُّأَنَّهُ لا معبودَ بِحَقٍّ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ.

فَهُنَاكَ قَاعِدَةٌ ثَابِتَةٌ مهما نقرأ {إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَاحِدٌ} ؛ فاللهُ أَحَدٌ في ذاته، أَحَدٌ في أسمائه، أَحَدٌ في صفاته، أَحَدٌ في أفعاله، أَحَدٌ في ربوبيَّته.

فاللهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ، ليس معه إِلَهٌ غَيْرُهُ، فتضمَّنت الآَيَةُإِثْبَاتَ الأَحَدِيَّةِ للرَّبِّ، المُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِيكِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت