فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 581

وسجودُ الملائكة سُجُودُ تَكْرِيمٍ، لا سُجُودُ عِبَادَةٍ؛ لأنَّ سُجُودَ العبادةلايكونإلاَّ لله وَحْدَهُ.

امْتَنَعَإِبْلِيسُ عن السُّجود بسبب الكِبْرِ والحَسَدِ. قال: ربِّ بما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لهم صِرَاطَكَ المستقيمَ.

وفي الحديث: «وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَغْفِرَنَّ لَهُمْ مَا دَامُوا يَسْتَغْفِرُونَنِي» . رواه أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ والحاكمُ، وَحَسَّنَهُ شُعَيْبٌ الأرناؤوط.

مَكَثَ آَدَمُ في الجنَّة، فَاسْتَوْحَشَ وَحْدَهُ، فنام، فَخَلَقَ اللهُ من ضِلْعِ آَدَمَ الأَيْسَرِ زَوْجَهُ؛ حتَّى لا يَجِدَ لها مسًّا، فَاسْتَيْقَظَ، فإذا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ فَسَأَلَهَا: ما أَنْتِ؟ قالت: امْرَأَةٌ. قال: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَإِلَيَّ. {هُوَالَّذِيخَلَقَكُممِّننَّفْسٍوَاحِدَةٍوَجَعَلَمِنْهَازَوْجَهَالِيَسْكُنَإِلَيْهَا} .

والسُّؤَالُ: متى تكون المرأةُ سَكَنًا لزوجها؟

قالوا: بأمرين:

-الأوَّل: أنَّها جزءٌ منه؛ فهي تابعةٌ له، وليست نِدًّا له. وَلِذَلِكَ خُلِقَتْ مِنَ الرَّجُلِ.

-والثَّاني: أَنْ يَكُونَ العملُ متوحِّدًا.

قالوا: «لا ترافقإلا من تُوَافِق» . فـ {لْخَبِيثَاتُلِلْخَبِيثِينَوَالْخَبِيثُونَلِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُلِلطَّيِّبِينَوَالطَّيِّبُونَلِلطَّيِّبَاتِ} .

ولذلك لو تزوَّج امرأةً كافرةً أو فاجرةً فالمؤمنُ لا يَسْكُنُإليها، والخبيثُإذا تزوَّج بِطَيِّبَةٍ لا يَسْكُنُ معها.

ثمَّ قال اللهُ لآَدَمَ: «اسْكُنْأَنْتَ وزوجُك الجنَّة» . وتلقَّى آَدَمُأَمْرَيْنِ:

-الأوَّلَ: لا تَقْرَبَا هذه الشَّجرة. امتحانٌ.

-والثَّاني: إنَّ هذا عَدُوٌّ لك وَلِزَوْجِكَ، فلا يخرجنَّكما من الجنَّة فتشقى.

لكن من تأمَّل قوله تعالى: {إِنِّيجَاعِلٌفِيالْأَرْضِخَلِيفَةً} عَلِمَ أنَّ نُزُولَ آَدَمَ إلى الأرض أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ؛ لأنَّ في ذرِّيَّتِه شَقِيًّا وسعيدًا، ولا بدَّ من الامتحان في الدُّنيا؛ ليميز اللهُ الخبيثَ من الطَّيِّب.

ثمَّ مِنْ طبيعةالإنسان أنَّه لا يعرفقِيمَةَ النِّعْمَةِإذا حَصَلَ عليها بسهولةٍ، ولذلك لمَّا هَبَطَ آَدَمُ مِنْ دَارِ الرَّاحة إلى دار العَنَاءِ والهموم، ثمَّ خرجوا من دار العَنَاءِ إلى أرض المحشر، وخرج النَّاسُ من قبورهم قالوا: الحمدُ لله الَّذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ. بعدما نَزَلُوا إلى الأرض، ومكثوا في دار الهموم والغموم.

ثمَّ بعد ذلك وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لِآَدَمَ فقال: مَا نهاكما ربُّكما عن هذه الشَّجَرَةِ إلاَّ أن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أو تكونا من الخالدين.

فَدَخَلَ عليهما من باب الشَّهوة والحرص؛ شَهْوَةِ حُبِّ المُلْكِ والحرص.

فَأَكَلا من الشَّجَرَةِ، فكان سَبَبَ خروجهما من الجنَّة «الشَّهوة والحرصُ» . وطُرِدَ الشَّيطانُ من الجنَّة بسبب الكِبْرِ والحسد.

ولمَّا كانت مَعْصِيَةُ آَدَمَ بِسَبَبِ الشَّهوة وُفِّقَ للتَّوْبَةِ، ولمَّا كانت مَعْصِيَةُإِبْلِيسَ بِسَبَبِ الكِبْرِ والحسد لم يوفَّق للتَّوبة؛ لأنَّ الكِبْرَ والحَسَدَ تمنعان من الاستجابة، وأعظمُ سَبَبٍ يمنع من الهِدَايَةِ الكِبْرُ.

وَمِنْ ثَمَّ قال اللهُ: {قُلْنَااهْبِطُوامِنْهَاجَمِيعًا} .

وتلقَّى آَدَمُ خِطَابَيْنِ:

-الأوَّلُ: {بَعْضُكُمْلِبَعْضٍعَدُوٌّ} ، وتلقَّى ذُرِّيَّةُ آَدَمَأيضًا: {ابَنِيآدَمَلَايَفْتِنَنَّكُمُالشَّيْطَانُكَمَاأَخْرَجَأَبَوَيْكُممِّنَالْجَنَّةِ} .

-والثَّاني: {فَإِمَّايَأْتِيَنَّكُممِّنِّيهُدًافَمَنِاتَّبَعَهُدَايَفَلَايَضِلُّوَلَايَشْقَى} .

فاللهُ خَلَقَ آَدَمَ آَخِرَ المخلوقات، وَمَهَّدَ الدَّارَ دَارَ التَّكليف قَبْلَ السَّاكن، فَجَعَلَ الأَرْضَ بِسَاطًا والسَّمَاءَ بِنَاءً، وأنزل من السَّماء مَاءً، وأخرج به حبًّا ونباتًا، وجعل الشَّمسَ سراجًا، والقمر نورًا، والنُّجوم ليهتدوا بها في ظلمات البرِّ والبحر، والأنعام ذلَّلَهَا فَمِنْهَا رَكُوبُهُم ومنها يأكلون.

فكلُّ ما في الكون مسخَّرٌ للإنسان، فإذا قام بطاعة الله وتوحيده وعبادته، سُخِّرَ له الكونُ؛ {وَلَوْأَنَّأَهْلَالْقُرَاآمَنُواوَاتَّقَوْالَفَتَحْنَاعَلَيْهِمبَرَكَاتٍمِّنَالسَّمَاءِوَالْأَرْضِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت